فى زمنٍ تُقاس فيه الفنون بنسب المشاهدة وتسطيح الوعي، تخوض المبتهلة والفنانة شيماء النوبى معركة ضارية لإعادة الهيبة للتراث الشفاهى والديني. لم تكتفِ النوبى بكونها أول امرأة تكسر الهيمنة الذكورية على عرش الابتهال والإنشاد فى مصر، بل اقتحمت حصون السيرة الهلالية لتنتزع لقب حارسة التراث بعد مواجهات حامية مع شيوخ الفن الصعيدي. فى هذا الحوار الحاد والمواجه، تفتح النوبى النار على بدع الموالد الحديثة وتعتبرها جرافاً للروح، وتكشف كيف تواجه اتهامات صوت المرأة عورة، وتضع يدها على أزمة تسليع الفن الروحي، مؤكدة أن الإنشاد الأصيل ليس مجرد طرب، بل هو الخط الدفاعى الأول ضد الجفاف الفكرى والتطرف.
< فى البداية ما الأجواء التى يمتاز بها الصعيد فى جنوب مصر لإحياء المولد النبوى الشريف ورأيك فى هذه الأجواء؟
<< طبعاً المولد فى جنوب مصر يكون مختلفاً جداً؛ لأن هناك ما يُسمى بـ الدورة عندنا فى الأقصر. والناس تظل تلف بالمزمار والمرماح وأشياء كثيرة يفعلونها فى الشوارع كلها، وتخرج الدورة بموسيقى كثيرة ومزمار كثير. وتقريباً لا ينامون قبلها بيوم، مع وجود المرماح والخيل، وفنانون كثيرون يأتون إلى المولد.
بشكل شخصى أرى أن هذا احتفال لا يليق بالمولد النبوى الشريف. الاحتفال الذى يليق بالمولد النبوى الشريف هو عمل الخير الكثير؛ أن يكون الشخص يعمل إطعاماً ويطعم الناس، وأن تكون هناك حفلات للمديح بشكل راقٍ وإنشاد وذكر لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا مهم جداً. أما الدورة والدى جى وما شابه ذلك، فكلها بدع فارغة بصراحة.
< وماذا عن إحياء حفلة يوم 3 سبتمبر ليلة محمدية احتفالاً بالمولد النبوى الشريف، فى بيت السحيمى؟
<< نقوم بالتحضير لها وأن شاء الله نقدم فيها أجواء روحانية تليق بذكرى الاحتفال بالمولد النبوى الشريف، ومنذ بضعة أيام أقمنا حفلة بسيطة وذهبنا للناس فى البيت وأقمنا حفلة إنشاد للمرضي، وكانت شيئاً جميلاً جداً.
< ما أبرز القصائد والتواشيح التراثية التى حرصتِ على إعادة إحيائها فى مدح الرسول صلى الله عليه وسلم خلال احتفالات المولد النبوى الشريف؟
<< بالنسبة لي، التواشيح والقصائد النبوية… أنا أصلاً من هواة التراث. دائماً عندما أقول المديح والإنشاد، أقول من الأشياء التراثية؛ مثل تواشيح الشيخ سيد النقشبندي، والشيخ نصر الدين طوبار، والشيخ محمد الفيومى، والشيخ طه الفشنى، والشيخ محمد الطوخى، وغيرهم من كبار الشيوخ كالشيخ على محمود. دائماً لا بد أن أقول التواشيح التراثية والإنشاد التراثي، ومن القصائد تكون غالباً من قصائد الحلاج وابن عربى.
< المولد النبوى هو موسم حافل بالتراث والذكر، كيف يساهم الإنشاد والابتهال فى هذه المناسبة فى تعزيز القيم الروحية والإنسانية ومواجهة الجفاف الفكرى؟
<< أنا ضد أن يكون هناك تخصص فى عمل الاحتفالات أو الإنشاد أو تقديم رسالة الفن الروحى عموماً. الفن الروحى يحتاجه الإنسان طوال الوقت. وسواء كنا نقيم الاحتفالات فى المولد النبوي، أو فى رمضان، أو فى العشر الأوائل من ذى الحجة احتفالاً بالمواسم الدينية والعيد الكبير، فالأمر لا يقتصر على هذه المناسبات فقط؛ أنا أقيم حفلاتى فى كل وقت.
والفن الذى أقدمه يحمل رسالة، ويعتمد أكثر على الروح؛ ولذلك فهو يحارب الجفاف الفكرى والتطرف وأشياء كثيرة جداً، ويخاطب الروح بالدرجة الأولى.
< كيف ترين الفارق بين أداء المدائح النبوية فى حلقات الذكر الشعبية بالصعيد، وبين تقديمها على المسارح والمحافل الدولية فى هذه الذكرى العطرة؟
<< الموضوع يختلف تماماً. الليالى شيء، والحفلات المسرحية شيء آخر، حتى على مستوى الجمهور. دائماً الليالى تستهدف الجمهور البسيط من الدراويش والناس التى ترتاد الموالد وحلقات الذكر والمديح. وهنا أنا لا أتحدث عن الفارق بين غنى وفقير، بل نتحدث عن الفكر نفسه.
< نشأتِ فى القاهرة لأصول صعيدية ينتمى جذورها إلى الأقصر، كيف تشكّل هذا البناء الصوتى المزدوج لديكِ بين شفاهية الصعيد وعلم المقامات؟
<< مبدئياً، أنا درست المقامات على يد كبار الشيوخ وعلم النغم. وأنا عشت واتولدت فى القاهرة، ولكن جذورى تميل إلى الأقصر. طبعاً تأثرت بهذا الفن؛ لأن الإنشاد وخامة الصوت فى الصعيد يكون موضوعهما مختلفاً قليلاً، فالصعيد بلد الإنشاد وقراء القرآن. وأنا تربيت كأى بيت مصرى على هذا النوع من الفن.
< ترعرعتِ على صوت كبار القراء والمبتهلين عبر إذاعة القرآن الكريم، كيف أثرت هذه المدرسة الأصيلة فى تكوين أذنك الموسيقية منذ سن السادسة؟
<< بالفعل، أنا كأى بيت مصرى أصيل يسمع إذاعة القرآن الكريم طوال الليل والنهار. وكان الشيوخ يستفزونني، فكنت أُقلدهم وأقرأ القرآن وأردد البروموهات وأسماء الله الحسني، فلاحظت والدتى وأسرتى ذلك. وقمت بالبحث لأننى أردت تقديم هذا الفن حبّاً فيه وتطويراً لنفسى، ولم أكن أعلم حينها أنه لا يوجد مبتهلات أو أننى سأكون أول مبتهلة فى مصر.
< كيف تصفين تجربة الوقوف كامرأة لغناء السيرة الهلالية؟
<< كان موقفاً صعباً جداً؛ عندما كلفنى الشيخ زين محمود بأداء السيرة الهلالية، كان هناك رفض تام من العم سيد الضوي، بدعوى أنه لا توجد امرأة تقول السيرة الهلالية وتتحدث عن الحرب والسيف والزناتى خليفة. ولكن الحمد لله فرضت موهبتى نفسها، وسمعنى العم سيد الضوى وخرجت معه فى ثلاث حفلات فى القاهرة والإسكندرية وصعيد مصر. والحمد لله أُطلقت عليّ ألقاب كحارسة السيرة، ولا تهمنى الألقاب بقدر ما يهمنى أن يرى الناس الفن التراثى على حقيقته.
< ما ردكِ على احتكار الرجال لرواية السيرة الهلالية؟ وكيف ترين دور المرأة التاريخى؟
<< أمر طبيعى أن تكون السيرة الهلالية احتكاراً للرجال؛ لأنها كانت تُقال قديماً فى أفراح لا يحضرها سوى الرجال..
< كيف يساهم المربع الصعيدى والموال القصصى بشفراتهما اللغوية فى حفظ التراث الاجتماعى لمجتمعات الصعيد؟
<< الموال القصصى يحكى قصة واضحة مثل ناعسة وأيوب، وحسن ونعيمة، وعزيزة ويونس. أما المربعات ففيها تلوين شعرى دخلت عليه الموسيقى وأصبح غناءً. وشعراء السيرة الهلالية كانوا يؤكدون أنها سرد شعرى وغنائى وتؤدى بطريقة معينة وليست مجرد طرب.
< بصفتكِ من أوائل المبتهلات الدينية فى مصر، كيف واجهتِ الانتقادات التى استندت إلى دعوى صوت المرأة عورة؟
<< واجهت انتقادات كثيرة من هذا القبيل، ولكننى أعمل فى هذا المجال منذ 20 عاماً ولست حديثة عهد به. لو ركزت مع هذه الانتقادات لتوقفت، والحمد لله أصبح لدى قاعدة جماهيرية وتجاوزت هذا الأمر.
< كيف ترين استشهادكِ بالتاريخ المصرى الذى شهد المرأة تقرأ القرآن ومبتهلات جليلات اعتمدتهن الإذاعة قبل الحرب العالمية الثانية؟
<< كان هناك جليلات ومُعتمدات فى الإذاعة مثل السيدة سكينة حسن، والسيدة كريمة العدلية، والشيخة أم محمد التى كانت تقرأ فى قصر الملك، والملك فاروق كان يذهب لسماع الشيخة سكينة. أما اليوم، فالمرأة المقرأة متواجدات عبر مواقع التواصل الاجتماعى فقط دون اهتمام بإدخالهن الإذاعة أو المسابقات الرسمية، بخلاف الماضى حيث كنّ يقرأن حتى فى الجنازات المخصصة للسيدات.









