تاريخ العلاقات المصرية الصومالية ليس وليد اللحظة السياسية الراهنة، بل هو امتداد لجذور عميقة من الأخوة والروابط التاريخية والثقافية التى تضرب بجذورها فى أعماق القارة الإفريقية. ولقد ظلت مصر على مدار عقود طويلة، السند الوفى والداعم الحقيقى للشعب الصومالى الشقيق فى مختلف محنه ومنعطفاته التاريخية. واليوم يتجسد هذا الحرص التاريخى فى استراتيجية مصرية واضحة ومستدامة تستهدف حفظ أمن واستقرار الصومال، ودعم سيادته ووحدة أراضيه، ومساندة مؤسساته الوطنية فى مواجهة التحديات الجسام التى تعترض طريق بناء دولته الحديثة. وترتبط مصر والصومال بأواصر وثيقة لا تقف عند حدود الدبلوماسية الرسمية، بل تمتد لتشمل وجدان الشعبين. فعندما اندلعت حركات التحرر الوطنى فى إفريقيا، كانت مصر فى طليعة الداعمين لاستقلال الصومال، واستضافت القاهرة على أراضيها العديد من الرموز والطلبة والقيادات الصومالية. هذا التناغم التاريخى خلق عقيدة راسخة لدى صانع القرار المصرى بأن أمن منطقة القرن الإفريقي، وفى القلب منها الصومال هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى والعربي. ومن هنا تنطلق السياسة المصرية بخصوص الصومال من مبادئ ثابتة تقوم على احترام سيادة الدولة الصومالية، ورفض أى تدخلات خارجية تستهدف النيل من وحدة الأراضى الصومالية أو سلامة إقليمها. وتؤكد مصر مساندة الحكومة الفيدرالية الصومالية فى بسط سيطرتها على كامل ترابها الوطنى وتعزيز قدرات مؤسساتها الأمنية والخدمية. كما أن هناك تعاونا فى بناء شراكات تنموية وتعليمية وثقافية مستدامة تعود بالنفع على الشعبين الشقيقين. ويعد الإرهاب والتطرف المتمثل فى حركة الشباب المرتبطة بتنظيمات متطرفة، التهديد الأكبر الذى يواجه استقرار الصومال وعرقلة جهود التنمية فيه. وقد أدركت مصر مبكراً خطورة هذا التحدي، ولم تتردد يوماً فى تقديم الدعم المالى واللوجستى والتدريبى لدعم الصومال. إن بناء جيش صومالى قوي، محترف وقادر على حماية أمنه الداخلى بمفرده هو الهدف الأساسى الذى تسعى إليه القاهرة من خلال اتفاقيات التعاون. كما تؤكد مصر دائماً فى المحافل الإقليمية والدولية ضرورة توفير الدعم الدولى المتكامل للصومال فى حربه ضد الإرهاب، مشددة على أن هزيمة الجماعات المتطرفة هناك ليست شأناً صومالياً خالصاً، بل هى ركيزة محورية لاستقرار الأمن الإقليمى والدولي، لا سيما فى منطقة حيوية مثل البحر الأحمر وخليج عدن.
وتؤكد مصر فى كل مناسبة أن القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة ومبادئ الاتحاد الإفريقى هى المرجعية الأساسية التى يجب أن تحكم العلاقات بين الدول، وفى مقدمتها احترام وحدة الدول وسلامة أراضيها. وقد ظهر هذا الموقف بوضوح جلى عبر الرفض القاطع لأى اتفاقيات منفردة تتجاوز الحكومة المركزية فى مقديشو، والتحركات الدبلوماسية المكثفة التى قادتها القاهرة إقليمياً ودولياً لحشد الدعم للحق الصومالي،
وتقدم مصر عبر مؤسساتها المختلفة كالأزهر الشريف ووزارة الصحة والوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية، خدمات جليلة تتمثل فى استقبال الطلاب الصوماليين للتعلم فى الجامعات المصرية والمعاهد الأزهرية، لبناء جيل من الكوادر القادرة على قيادة مستقبل بلادهم. إضافة إلى إرسال القوافل الطبية وتوفير الأدوية والمستلزمات لدعم المستشفيات الصومالية والتخفيف من آلام المرضي.
ولا يخفى ما تقوم به مصر من إرسال شحنات المساعدات الإغاثية والغذائية المتكررة للوقوف بجانب الشعب الصومالى فى مواجهة موجات الجفاف والكوارث الطبيعية. إن حرص مصر على أمن واستقرار الصومال ليس وليد مصالح عابرة، بل هو استجابة لنداء التاريخ والأخوة والانتماء المشترك للقارة الأفريقية. كما أن مصر ترى أن قوة الصومال واستقراره هما إضافة حقيقية للأمن العربى والأفريقي، وستظل دائماً صوتاً قوياً ومدافعاً أميناً عن حقوق الشعب الصومالى فى البناء والتنمية والعيش بأمان فوق أرضه المستقلة والموحدة.









