هناك حكاية بسيطة فى مفرداتها، غنية فى مضمونها ودلالاتها. تقول الحكاية إن رجلاً أساء إلى شخص آخر، ونشر عنه كلامًا كاذبًا لم يقله إطلاقًا. وبعد أن تيقن أنه أخطأ، ندم ندمًا شديدًا، وذهب إلى رجل حكيم يسأله: كيف يصلح ما أفسده؟ فأعطاه الحكيم وسادة مليئة بالريش، وطلب منه أن يصعد إلى مكان مرتفع، ويمزقها، ويترك الريش للريح.
فعل الرجل ذلك، ثم قال له الحكيم: «والآن، اجمع كل هذا الريش وأعده إلى الوسادة» قال الرجل: هذا مستحيل، لقد حملته الريح فى كل اتجاه.
فقال له الحكيم: «وهكذا الكلمة الكاذبة؛ تستطيع أن تطلقها فى لحظة، لكنك لا تستطيع أن تستردها بعد أن تنتشر».
>>>
فى الحكاية القديمة كان علاج الكذب يبدو سهلاً قبل أن تهب الريح. مزق الرجل الوسادة، فتناثر الريش فى الطرقات، وفوق الأسطح، وبين البيوت، ثم جاءه الأمر المستحيل: اجمعه من جديد ، عندها فقط فهم أن هناك أخطاء يمكن الاعتذار عنها، لكن آثارها لا تعود أبدًا إلى نقطة الصفر واليوم لم تعد لدينا وسادة واحدة، بل ملايين الوسائد تُفتح كل دقيقة على مواقع التواصل الاجتماعي، ويخرج منها ريش الشائعات والأكاذيب ليطير بسرعة قد لا تستطيع الحقيقة نفسها أن تلحق بها ، لقد أصبحت ضغطة زر واحدة كافية لإطلاق كذبة إلى ملايين البشر، وربما يحتاج أصحاب الحقيقة إلى أيام أو أسابيع حتى يثبتوا أنها كذبة.
>>>
وهنا تكمن المشكلة ، لم تعد الخطورة فقط فى صناعة الشائعة، وإنما فى أن سرعة تصحيحها أقل كثيرًا من سرعة انتشارها فالكذبة مثيرة، قصيرة، صادمة، ولا تحتاج فى كثير من الأحيان إلى دليل، بينما تحتاج الحقيقة إلى وثيقة وتفسير وسياق وبرهان ، ولذلك تدخل الشائعة السباق على دراجة نارية، بينما تصل الحقيقة أحيانًا سيرًا على الأقدام.
والأخطر أن الكذبة لا تحتاج إلى أن يصدقها الجميع، بل يكفى أحيانًا أن تجعل الجميع يشكّون ، فقد لا ينجح صاحب الشائعة فى إقناعك بأن فلانًا فاسد، أو أن مؤسسة ما فاشلة، أو أن حدثًا معينًا وقع بالفعل، لكنه قد ينجح فى زرع سؤال صغير داخل رأسك: «وماذا لو كان الكلام صحيحًا؟».
>>>
ومن هنا يبدأ الخطر الحقيقى فالشائعة لا تستهدف دائمًا تغيير رأى الناس فقط، وإنما قد تستهدف هدم الثقة؛ الثقة فى الأشخاص، وفى المؤسسات، وفى الإعلام، وفى الاقتصاد، وفى الدولة، بل وفى بعضنا البعض.
والثقة من أغلى ما تمتلكه المجتمعات، لأنها تُبنى ببطء شديد، لكنها قد تُهدم بكذبة فى دقائق ، ولذلك فإن مسؤولية مواجهة الشائعات لا تقع فقط على الدولة أو الإعلام أو المؤسسات، وإنما تقع كذلك على كل مواطن يحمل هاتفًا فى يده فكل واحد منا أصبح، شاء أم أبي، ناشرًا محتملاً وقد يكون مجرد الضغط على زر «مشاركة» مشاركةً فى ظلم إنسان، أو تشويه مؤسسة، أو نشر ذعر، أو تضليل مجتمع بأكمله ، قبل أن تضغط زر المشاركة، تذكر ريش الوسادة.
>>>
ربما تستطيع حذف المنشور، وربما تستطيع الاعتذار عن الكلمة، لكنك لن تعرف أبدًا إلى أى بيت وصلت، وفى عقل مَن استقرت، وكم شخصًا صدقها، وكم شخصًا أعاد نشرها، قبل أن تصل إليهم الحقيقة ، فالكلمة فى زمن السوشيال ميديا لم تعد رأيًا عابرًا ، أحيانًا تصبح رصاصة رقمية ، والضغط على زر النشر هو لحظة إطلاقها ، وحين تندم، وتحاول استعادتها، ستكتشف الحقيقة التى اكتشفها صاحب الحكاية القديمة:
>>>
لا أحد يستطيع أن يجمع ريش الوسادة بعد أن تحمله الريح.. انتبه يا عزيزى .









