تحت شعار «تنظيم سوق الاتصالات والقضاء على الخطوط مجهولة الهوية» يخرج علينا مقترح لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب بتوجيه حاسم بعد اجتماع عاجل مع وزير الاتصالات والجهاز القومى للاتصالات بضرورة إلزام كافة المواطنين بتحديث بيانات خطوط المحمول باستخدام «بصمة الوجه»
وفى حين لا يختلف اثنان على أهمية ضبط فوضى المحمول ومواجهة الجرائم الإلكترونية إلا أن الآلية المطروحة لتطبيق هذا القرار تضعنا أمام تساؤل أمنى شديد الخطورة..هل نضحى بأمن البيانات الحيوية للمواطنين وخصوصيتهم المالية لمجرد معالجة ثغرة تنظيمية لدى شركات الاتصالات؟. تكمن المشكلة الأساسية فى أن «البيانات البيومترية» وعلى رأسها بصمة الوجه والعين ليست مجرد كلمة مرور يمكن تغييرها عند التسريب بل هى هوية بيولوجية للمواطن تنضوى تحتها كل بياناته وتعاملاته البنكية والشخصية واليومية بل والخاصة كمستندات وبيانات على المحمول.
إن تحويل عملية التقاط وتخزين هذه البصمات إلى إجراء إدارى يومى يتم داخل منافذ وفروع شركات المحمول التجارية يفتح أبواباً واسعة لمخاطر إستراتيجية لا حصر لها.. فمهما بلغت كفاءة الأنظمة الأمنية لدى شركات الاتصالات الخاصة فإنها تبقى هدفاً أسهل بكثير للهجمات السيبرانية مقارنة بالمؤسسات السيادية للدولة.. وسرقة قاعدة بيانات تحتوى على بصمات وجوه ملايين المواطنين تعنى انكشافهم الرقمى للأبد وبشكل يمثل خطورة بالغة على كل تعاملاتهم. وعلى جانب آخر تعتمد أغلب البنوك والتطبيقات المالية اليوم على تقنية بصمة الوجه لتأكيد هوية العميل وتمرير المعاملات المادية.. وسرقة أو تسريب هذه البيانات يمنح العصابات الإلكترونية مفاتيح الحسابات المصرفية للمواطنين خاصة مع تطور تقنيات «التزييف العميق».
والأخطر أيضاً كما قلنا هو استباحة الحياة الخاصة والهواتف الذكية فربط الشريحة ببصمة الوجه يمثل خطورة بالغة تتمثل فى إنشاء ملف رقمى موحد يجعل كافة الصور والتطبيقات والرسائل الموجودة على هاتف المواطن عرضة للانكشاف والابتزاز حال استهداف بياناته.
هناك أيضا معضلة حماية البيانات الشخصية والسيادة الوطنية وهنا ينص قانون حماية البيانات الشخصية المصرى (رقم 151 لسنة 2020) بوضوح على فرض قيود مشددة وحماية خاصة على «البيانات الحساسة» التى تشمل الخصائص البيومترية.. وبالتالى فإن إلزام المواطنين بتقديم بصمات وجوههم تحت وطأة تهديد «قطع الخدمة» يمثل خرقاً لروح هذا القانون ويتنافى مع حق المواطن فى حماية خصوصيته الحيوية.
إن حصر جمع واستخدام البصمات الحيوية فى يد أجهزة الدولة السيادية (كوزارة الداخلية والأحوال المدنية) هو الخيار الآمن الوحيد لأن انتقال هذه الصلاحيات السيادية إلى شركات تجارية يفرغ مفهوم «حماية البيانات الشخصية» من مضمونه.. والواقع الحادث هو خير دليل على ما نقول بعد أن تم تسريب بيانات العملاء وبيع خطوط بأسمائهم لايعلمون عنها شيئا.
وإذا كان الهدف هو التحقق من هوية صاحب الخط فإن حلول التكنولوجيا الحديثة تتيح تحقيق هذا الهدف دون الحاجة لتسليم بصمة الوجه لشركات المحمول منها أن تظل البيانات البيومترية مخزنة حصراً على خوادم الدولة المشفرة بحيث ينحصر دور شركة المحمول فى التقاط الصورة لطلب «تطابق لحظي» من السجل القومى دون منح الشركة صلاحية حفظ أو تخزين أى بصمة.. إلى جانب التوسع فى الهوية الرقمية الموحدةباستخدام تطبيقات إثبات الهوية الحكومية المعتمَدة لتوثيق ملكية الشرائح.. والابتعاد عن سياسات العقاب الجماعى كحجب الخدمات والاعتماد على آليات التحديث التدريجى والتوعية.









