في البداية أود أن أوضح أن التطرف لا يقتصر علي التطرف الديني فقط فهو أشمل من ذلك بكثير، فهناك التطرف الأخلاقي والاجتماعي والإجرامي والفكري….إلخ ومؤخراً ظهر لنا ما يسمي بالتطرف الرقمي أو الإلكتروني الذي يتم من خلاله التأثير علي اهتمام وفكر ووقت وقناعات بل وولاءات وانتماءات مستخدمي وسائط التواصل والإنترنت والانستجرام والتيك توك وغيرها من وسائل العالم الرقمي الإفتراضي الجاذب والذي جعل الشباب بل والأطفال يقضون ساعات اليوم والليل علي منصات التواصل الاجتماعي يستقي منها المعلومات ويتبني معتقدات ويستمع لآراء تؤثر علي رؤيته للعالم من حوله وأنماطه السلوكية….ومن هذا المنطلق فإن تفكيك خطاب التطرف لا يقتصر فقط علي حملات التوعية والتوجيه والترهيب والترغيب بل هو فعل وقائي عميق يمس صميم الأمن المجتمعي والوعي الجمعي والاستقرار النفسي ورصد لكل محاولات تغييب الفكر
من أخطر أدوات خطاب التطرف إنه يعيد تعريف المفاهيم الكبري للمتلقي، فالوطن علي سبيل المثال قد يٌختزل إلي جماعة والدين يٌختزل في تأويل واحد والهوية تٌختزل في انتماء ضيق والكرامة تٌربط بالمواجهة لا بالبناء وهذا التحريف المفاهمي يجعل الفرد يظن إنه يدافع عن قيمة سامية بينما هو في الحقيقة يستدرج إلي مشروع إقصائي.
التطرف أيضاً يتغذي علي المظلومية حتي ولو كانت غير حقيقية كما إنه يستخدم لغة خطاب مشحونة بالعاطفة تعتمد علي كلمات مطلقة وغير محددة مثل الخيانة – الفساد – المؤامرة وهي كلمات تخلق حالة استنفار نفسي دائم كما أنه يستخدم أسلوب التكرار الإيحائي فيعاد نفس المعني بأشكال مختلفة حتي يترسخ في الأذهان.. كما إنه يسعي دائماً إلي صناعة العدو وإيجاد خصم سواء كان فرداً أو مؤسسة أو دولة وأن هذا الخطر قائم ومستمر وهو ما يمنح المتأثرين بهذا الخطاب في حالة تماسك وتمسك بالوجود وهو ما يوضح أسباب اللجوء إلي العنف أو رفض الحوار.. ويجتهد دائماً من يقومون بتوجيه خطاب التطرف بأشكاله وأهدافه المختلفة إلي استثمار أي أزمة يمر بها المجتمع سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية والتأكيد علي أن حل هذه المشكلات لديهم هم فقط مقترحين حلولاً لها وهو ما يجذب البسطاء وانصاف المثقفين بل وأحياناً المثقفين إليهم، ومن هنا فإن تفكيك هذا الخطاب لا يجب أن يكون بالسخرية أو الاستخفاف أو المواجهة العدائية بل بتقديم بدائل فكرية ومعلومات حقيقية تتسم بالشفافية والقدرة علي تفسير الواقع دون إلغائه.
نحن اليوم نعيش في العصر الرقمي.. وهنا يأخذ خطاب التطرف أشكالاً جديدة، حيث تسمح المنصات الاجتماعية بالانتشار السريع والخوارزميات قد تعزز المحتوي الاستقطابي لانه أكثر إثارة للتفاعل وهنا يصبح التفكيك مسئولية رقمية أيضاً من حيث تعزيز المحتوي المتوازن وتطوير مهارات الأداء الإعلامي وكشف تقنيات التظليل بأساليب أكثر احترافية ومهنية وقدرة علي الإقناع فالمواجهة هنا ليست بإغلاق الفضاء ولكن بملئه بخطاب بديل أكثر عقلانية وموضوعية..
وفي السياق الرقمي أيضاً يصبح الفرد ناشراً وليس متلقياً فقط لذلك فإن تعزيز الوعي الإعلامي لم يعد ترفاً بل ضرورة خاصة في فهم كيفية عمل الخوارزميات والوقوف علي معرفة وكيفية نشر الأخبار المضللة وصنع المقاطع المؤثرة وهذا يمنح الفرد مناعة بل وأحياناً سعادة في كونه أصبح يمارس ذلك بمهارة في الفضاء الرقمي دون إمكانية الوصول إليه وهنا يجب أن يكون خطاب التفكيك لديه القدرة علي إعادة التوازن الفهمي من خلال فتح مساحة مشتركة تسمح بالتعدد دون خوف لأن المجتمعات القوية ليست تلك التي تلغي الاختلاف بل هي تلك القادرة علي أن تديره بحنكة وحكمة.
في العصر الرقمي أيضاً يصبح التفكيك أكثر فاعلية حين لا يختزل في رد فعل أمني أو إعلامي سريع بل يجب أن يتحول إلي إستراتيجية تقوم علي تطوير التعليم النقدي وتعزيز ثقافة الحوار في الجامعات وتدريب الإعلاميين علي كشف المغالطات وتمكين الأسر من فهم التحولات الفكرية لدي أبنائها.. فكل ذلك يمثل جداراً وقائياً طويل الأمد خاصة أن خطاب التطرف لا يظهر فجأة من فراغ بل إنه ينمو في بيئة تسمح له بذلك.. كما أن تحقيق العدالة الاجتماعية تلعب دوراً جوهرياً حين يشعر المواطن بأن صوته مسموعاً وأن القانون يطبق بالعدل وأن الفرص متاحة للجميع وهو ما سوف يترتب عليه التقليل من جاذبية الخطابات التي تدعي إنها البديل الوحيد.. كما أن فهم البعد النفسي للأفراد الذين ينجرفون وراء خطابات مزيفة تشعرهم بالقوة والتميز سوف يترتب عليه اتباع أساليب أكثر احترافية ودراسة واهتمام بهذا البعد وذلك بالشكل الذي يعيدهم مرة أخري في مجتمعاتهم العادلة التي يشعر فيها الفرد بكرامته وانتمائه الحقيقي دون الالتفات إلي دعوات التحريض والتطرف وهو ما شاهدناه مؤخراً في الالتفات الجمعي بكافة أطياف المجتمع أثناء مباريات المنتخب المصريفي بطولة كأس العالم الأخيرة والتي أري ضرورة استثمارها جيداً والبناء عليها فيما هو قادم ولعل كلمات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي عند استقباله لأعضاء الفريق ومطالبته بالعمل علي إيجاد كوادر شبابية رياضية يتم اكتشافها بكل تجرد وشفافية هي رسالة لتحقيق قدر كبير من العدالة الاجتماعية التي ننشدها والتي أتمني أن تشمل كافة قطاعات الدولة.
إن تفكيك خطاب التطرف هو عمل طويل النفس يحتاج إلي صبر ووعي وعمق.. هو عملية بناء لا هدم.. يبدأ بالسؤال ويستمر بالحوار ويترسخ بالعدل وكل كلمة تعاد إلي معناها الصحيح وكل فكرة توضع في سياقها وتناقش لكي تنجلي الحقيقة وهنا يكمن جوهر المواجهة في العقل الذي يقرأ قبل أن يصدق ويفهم قبل أن يفعل ويختار قبل أن ينجرف.









