تخيل أن تصلك رسالة إلى هاتفك تعدك بآلاف الجنيهات يوميًا مقابل «استثمار رقمي» لا يستغرق سوى دقائق.. أو يظهر أمامك، أثناء تصفحك للإنترنت، إعلان جذاب يدعوك إلى المراهنة على مباراة مقابل أرباح مغرية.. أو إعلان آخر يقدم لك عرضًا مجانيًا جذابًا يغريك بالنقر عليه، لكنه في الحقيقة «شبح برمجية خبيثة» تتسلل إلى جهازك في هدوء.. وفي أحيان أخرى قد يأتيك الخطر في هيئة «صوت واثق» عبر الهاتف، يقدم نفسه بنبرة رسمية ويزعم أنه موظف بنك، يحذرك من إغلاق حسابك ويجردك من بياناتك السرية تحت ستار الحماية.
ولا تقتصر حيل عصابات الاحتيال على إغراء الضحية بالربح السريع؛ فهي تبني حوله عالمًا كاملًا من الإيهام بالثقة، باستخدام مواقع وتطبيقات تبدو احترافية، وشهادات وقصص نجاح وهمية، وتمنحه أرباحًا صغيرة في البداية لإقناعه بضخ مبالغ أكبر في عملية استدراج تدريجية تحول الثقة إلى فخ مالی.
سيناريوهات متعددة للخداع.. لكن النتيجة واحدة: في لحظات معدودة، وبضغطة زر أو معلومة تمنحها بثقة، قد تختفي أموالك من حسابك، وقد تتبخر تحويشة العمر عبر الفضاء السيبراني العابر للحدود، لتجد نفسك فجأة ضحية لجريمة مالية رقمية.
ومن هنا يفرض الواقع سؤالًا قانونيًا ملحًا: كيف يواجه التشريع المصري جيلًا جديدًا من الجرائم المالية الرقمية تُداره الخوارزميات وتتوارى عصاباته خلف سحب إلكترونية مجهولة الهوية؟ فعند الاقتراب من المشهد القانوني القائم تتجلى ثلاث ثغرات حاسمة تستحق التوقف أمامها، وهي على النحو التالي:
أولًا: منصات الاستثمار الوهمي الرقمية:
تنحصر الثغرة القانونية لتجريم منصات الاستثمار الوهمي الرقمية في عدم وجود نص عقابي خاص في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 يجرم الاحتيال الاستثماري الرقمي العابر للحدود باعتباره نشاطًا إجراميًا مستقلًا، مما يفرض اللجوء إلى نصوص “النصب” أو “تلقي الأموال” التقليدية، بما قد يثير صعوبات عند تطبيقها على منصات رقمية عابرة للحدود تعمل دون كيان مادي ظاهر داخل الدولة. كما أن القانون ذاته قد خلا من تعريف «المنصة الرقمية» ضمن التعريفات الواردة في المادة الأولى، ولم يضع إطارًا خاصًا بالمسؤولية الجنائية للقائمين على هذه المنصات أو الوكلاء والوسطاء الذين يعملون لحسابها، رغم أن جانبًا من جرائم الاستثمار الوهمي يُرتكب عبر منصات دولية قد يكون لها وكلاء أو ممثلون أو جهات تتولى التسويق والترويج واستقطاب العملاء داخل مصر.
ثانيًا: المراهنات الرقمية:
تحولت المراهنات الإلكترونية من موائد خضراء محصورة في صالات مغلقة إلى «صالة قمار رقمية مفتوحة» في جيوب كثير من الشباب على مدار الساعة، عبر تطبيقات ومواقع عابرة للحدود، وهو ما يكشف عن ثغرة تشريعية مزدوجة: أولها أن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات لا يتضمن نصًا خاصًا ومستقلًا يجرم إنشاء أو إدارة أو تشغيل أو الترويج لمنصات القمار والمراهنات الرقمية حتى الآن. وثانيها أن النصوص العقابية التقليدية التي تواجه القمار في قانون العقوبات، ومنها المادة رقم 352، صيغت في الأساس لمواجهة القمار المرتبط بمكان مادي يُعد لممارسة الألعاب وتهيئته لدخول الناس. ويثير هذا التصور صعوبة عند التعامل مع منصات إلكترونية لا تحتاج إلى صالة أو محل داخل الدولة، وقد تُدار خوادمها من خارج الحدود.
ثالثًا: الإعلانات الخبيثة وقرصنة الأرصدة:
تجاوزت عصابات الاحتيال مرحلة “اختراق الأنظمة المصرفية” إلى “اختراق العقول”؛ فلم تعد تحتاج دائمًا إلى كسر الحواجز التقنية، بل أصبحت تستدرج الضحية إلى فتحها بنفسه، عبر مكالمة هاتفية أو رسالة أو إعلان خبيث، ثم تستولي على بياناته أو أمواله مستغلة ثقته وحسن نيته. وتكمن الثغرة في أن التجريم في المادة (23) بقانون “تقنية المعلومات” يرتهن بشرط وصول الجاني “بدون وجه حق” إلى أرقام أو بيانات أو بطاقات البنوك والخدمات (الاختراق التقني). أما عندما يُساق الضحية عبر إعلان خبيث أو مكالمة خادعة لتسليم بياناته أو رمز (OTP) طواعية، فقد لا ينطبق على الواقعة وصف “الوصول بغير حق” بالمعنى الذي استهدفه النص، فيتم اللجوء إلى نصوص النصب التقليدية ومنها المادة 336 عقوبات، والتي تتطلب توافر إحدى صور الاحتيال التي حددها النص، وهو ما قد لا يتناسب مع البيئة الرقمية أو يستوعب بالكامل الطبيعة المركبة والمتطورة لأساليب الخداع الرقمي.
وفيما يلي نعرض لهذه الثغرات على نحو أكثر تفصيلًا لبيان أوجه القصور في النصوص القائمة ومدى قدرتها على مواجهة التطور المتسارع لجرائم «السوشيال ميديا»:
أولًا: منصات الاستثمار الوهمي الرقمية
تستغل عصابات الاحتيال المالي الرقمي العابرة للحدود ما يُعرف بـ «مخططات بونزي الرقمية»، حيث يتم إغراء الضحايا عبر تطبيقات وهواتف محمولة تدعي الاستثمار في مجالات مستحدثة مثل: تعدين العملات المشفرة، أو استئجار الخوادم الذكية، أو مشاهدة الإعلانات بمقابل. وتعتمد هذه المنصات على «التسويق الهرمي الشبكي»، حيث تمنح أرباحًا وهمية مبكرة للضحايا الأوائل يُدفع جزء منها من أموال الضحايا الجدد، لتوليد ثقة زائفة تدفع المشتركين لمضاعفة استثماراتهم ودعوة ذويهم، حتى إذا بلغت الحصيلة الذروة، تُغلق المنصة ويتم نهب الأموال.
أين تكمن الثغرة القانونية؟
تكمن الثغرة في أن المادة 206 من قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي رقم 194 لسنة 2020 قد حظرت إنشاء أو تشغيل منصات لتداول العملات المشفرة دون ترخيص، إلا أن هذا النص لا يمتد إلى منصات الاستثمار الوهمي التي تُنشأ لجمع أموال الجمهور وإيهامهم باستثمارها. كما أن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 لم يدرج تعريفًا لـ «المنصة الرقمية» ضمن التعريفات التي أوردها في الباب الأول بالمادة (1)، ولم يضع تنظيمًا خاصًا للمنصة الرقمية، ولم يحدد إطارًا خاصًا لمسؤولية القائمين عليها أو من يعملون لحسابها داخل مصر، رغم أن المنصة قد تكون دولية، بينما يتم التسويق لها واستقطاب الضحايا وتحصيل الأموال داخل مصر.
كما لا يتضمن القانون ذاته نصًا عقابيًا خاصًا يواجه «الاحتيال المالي الاستثماري المنظم عبر الوسائط الرقمية» أو إدارة منصات تجميع الأموال الرقمية بما يجمع في نطاق تجريمي واحد بين إنشاء المنصة أو إدارتها، والترويج لها، واستقطاب أموال الجمهور، وإيهامهم بتحقيق عوائد استثمارية، ثم الاستيلاء على تلك الأموال. وإن كان يمكن بحسب ظروف الواقعة الاستناد إلى المادة 27 من هذا القانون التي تجرّم إنشاء أو إدارة أو استخدام موقع أو حساب خاص على شبكة معلوماتية بهدف ارتكاب جريمة أو تسهيل ارتكابها، غير أن هذه المعالجة تظل مرتبطة بتوافر صفة “مدير الموقع” في الجاني، كما لا تقدم نصًا خاصًا يستهدف نموذج “منصة الاستثمار الوهمي” باعتباره منظومة إجرامية متكاملة.
وهذا ما أشار إليه حكم محكمة جنايات القاهرة الاقتصادية في الدعوى رقم 1139 لسنة 2025 إذ أكدت أن:
الشرط المفترض للجريمة المنصوص عليها بالمادة 27 من القانون رقم 175 لسنة 2018 بخلاف ركنيها المادي والمعنوي هو صفة الجاني باعتباره مدير الموقع والقائم عليه والمستخدم له والمسؤول عنه، وقد تم تعريفه بأنه: «كل شخص مسؤول عن تنظيم أو إدارة أو متابعة أو الحفاظ على موقع أو أكثر على الشبكة المعلوماتية، بما في ذلك حقوق الوصول لمختلف المستخدمين على ذلك الموقع أو تصميمه أو توليد وتنظيم صفحاته أو محتواه أو المسؤول عنه».
وهو ما يكشف عن إشكال عملي في ملاحقة بعض حلقات المنظومة الإجرامية الرقمية، ولا سيما من يتولون الترويج للمنصة أو استقطاب العملاء أو تحصيل الأموال لحساب المنصة دون أن تثبت في حقهم صفة «مدير الموقع» بالمعنى القانوني، بما يؤكد الحاجة إلى نص يستوعب مختلف الأدوار التي تقوم عليها منظومة الاستثمار الوهمي الرقمية.
وأيضًا وفقًا للقواعد العامة، يمكن مواجهة بعض هذه الوقائع من خلال جريمة النصب المنصوص عليها في المادة 336 من قانون العقوبات، وهي جنحة حدها الأقصى للحبس ثلاث سنوات. وهذه المعالجة، وإن كانت قابلة للتطبيق بحسب ظروف كل واقعة، لا تقدم تنظيمًا خاصًا للطبيعة الرقمية والمنظمة والعابرة للحدود لهذه المخططات، ولا تعالج المنصة بوصفها أداة للجريمة.
كما أن القانون رقم 146 لسنة 1988 الخاص بالشركات العاملة في مجال تلقي الأموال لاستثمارها يمكن أن ينطبق على بعض الوقائع، لكنه لم يقدم معالجة تشريعية متخصصة للمنصات الرقمية العابرة للحدود التي تجمع الأموال إلكترونيًا دون وجود كيان تقليدي ظاهر داخل الدولة، وهو ما قد يثير إشكالات تتعلق بانطباق أحكامه على بعض صور النشاط الرقمي المستحدث.
مطلوب تدخل المشرع لاستحداث نص عقابي خاص:
ولمواجهة الاستثمار الوهمي الرقمي نحتاج إلى تدخل المشرع الجنائي واستحداث نص خاص يجرم المنظومة الإجرامية ذاتها، فيجرم إنشاء أو إدارة أو تشغيل منصة رقمية بقصد جمع أموال الجمهور أو إيهامهم باستثمارها أو تحقيق عوائد منها دون ترخيص، ويمتد إلى الترويج لها واستقطاب العملاء لحسابها، مع تشديد العقوبة عند وقوع الاستيلاء الفعلي أو ارتكاب الجريمة بصورة منظمة أو عابرة للحدود، إلى جانب وضع آليات قانونية عاجلة للتحفظ على الأموال وتتبعها واستردادها.
موقف التشريعات العربية المقارنة:
واجه المشرع الإماراتي هذا النمط من الاحتيال بنص عقابي خاص في المرسوم بقانون اتحادي رقم (34) لسنة 2021 في شأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، إذ نصت المادة رقم 41 على أنه:
«يعاقب كل من دعا أو روج لمسابقة أو عملة إلكترونية أو أنشأ أو أدار محفظة أو شركة وهمية بهدف تلقي أو جمع أموال من الجمهور بقصد استثمارها أو إدارتها أو توظيفها أو تنميتها، بغير ترخيص من الجهات المعنية، بعقوبة الحبس مدة لا تزيد على (5) خمس سنوات والغرامة التي لا تقل عن (250,000) مائتين وخمسين ألف درهم ولا تزيد على (1,000,000) مليون درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين».
ثانيًا: ثغرة المراهنات الرقمية («قمار بلا مكان».. و«صالات الشاشات الذكية»)
مع تطور ألعاب القمار والمراهنات من صورتها التقليدية المحصورة في الكازينوهات والموائد الخضراء إلى منظومة رقمية عابرة للحدود تُدار عبر تطبيقات الهاتف والمواقع الإلكترونية، وتتيح المراهنة على نتائج المباريات وتفاصيلها الدقيقة، فضلًا عن ألعاب قمار رقمية متنوعة بما حوّل الفضاء الإلكتروني إلى صالة قمار مفتوحة على مدار الساعة، تعتمد هذه المنصات على وسائل استقطاب حديثة، من بينها الترويج عبر المؤثرين والوكلاء واستخدام المحافظ ووسائل الدفع الإلكترونية في شحن أرصدة المراهنات، بما يسمح باستهداف أعداد واسعة من المستخدمين، ولا سيما الشباب.
أين تكمن الثغرة القانونية؟
تكمن الثغرة في أن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 لا يتضمن نصًا خاصًا ومستقلًا يجرّم إنشاء أو إدارة أو تشغيل أو الترويج لمنصات القمار والمراهنات الرقمية باعتبارها نشاطًا إجراميًا يُمارس عبر الوسائط الإلكترونية. أما النصوص الأخرى في القانون، ومنها المادة 25 المتعلقة بالمحتوى المخالف للقيم والمبادئ الأسرية وغيرها من صور الاعتداء، فلا تمثل – في ذاتها – نصًا خاصًا بتجريم تشغيل منصة المراهنات أو إدارتها.
كما أن النصوص التقليدية التي تواجه القمار في قانون العقوبات صيغت في الأساس لمواجهة المكان المادي للقمار، إذ تعاقب المادة (352) من قانون العقوبات:
«كل من أعد مكانًا لألعاب القمار وهيأه لدخول الناس فيه».
وهذا النص يثير إشكالًا عند التعامل مع منصة إلكترونية لا تحتاج إلى صالة أو محل، وقد تُدار خوادمها خارج مصر.
وتزداد الفجوة وضوحًا بالنسبة إلى الوكلاء والمروجين والوسطاء المحليين الذين يعملون لحساب منصات المراهنات الأجنبية؛ إذ لا يوجد في قانون تقنية المعلومات نص خاص يواجه دور الوسيط الرقمي في استقطاب المراهنين أو تحصيل الأموال أو شحن أرصدة المراهنات لحساب تلك المنصات، بما قد يفرض اللجوء إلى نصوص قانونية أخرى بحسب طبيعة كل واقعة ودور المتهم فيها.
ولمواجهة المراهنات الرقمية.. نحتاج إلى نص تجريمي يلاحق المنصة والمروج والوسيط:
ومن ثم تتأكد الحاجة إلى نص تجريمي خاص في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات يجرم إنشاء أو إدارة أو تشغيل المنصة الرقمية المخصصة للقمار أو المراهنات المالية، وكذلك الترويج لها أو التوسط في تشغيلها أو استقطاب المستخدمين لحسابها، مع تشديد العقوبة إذا ارتكبت الجريمة بصورة منظمة أو عبر الحدود أو استخدمت وسائل الدفع الإلكترونية في جمع الأموال.
موقف التشريعات المقارنة:
اتجهت بعض التشريعات العربية إلى النص على تجريم القمار والمراهنات عبر الفضاء الإلكتروني بنصوص خاصة:
- المشرع السعودي: جرّم القمار الرقمي في نص خاص في نظام مكافحة جرائم المعلوماتية السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/17، حيث تعاقب المادة السادسة بالفقرة (3) كل شخص يقوم بإنشاء المواد والبيانات المتعلقة بـ«أنشطة الميسر» أو نشرها أو ترويجها، وأقرت المادة لهذه الأفعال عقوبة السجن مدة لا تزيد على خمس سنوات والغرامة ثلاثة ملايين ريال أو إحدى العقوبتين، بما يجعل التجريم ممتدًا إلى القمار الإلكتروني الذي يُمارس أو يُروج له عبر الشبكة المعلوماتية، وليس مقصورًا على وجود مكان مادي للقمار.
- المشرع الإماراتي: اتجه إلى تجريم ممارسة أنشطة القمار عبر الشبكة المعلوماتية بصورة مباشرة، وذلك في المادة رقم 38 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 34 لسنة 2021 في شأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، بما يعكس اتجاهًا تشريعيًا نحو التعامل مع القمار الرقمي باعتباره نشاطًا إجراميًا قائمًا بذاته، يمكن ملاحقته حتى وإن انتقل من المكان المادي إلى الموقع أو التطبيق الإلكتروني.
ثالثًا: ثغرة الإعلانات الخبيثة والهندسة الاجتماعية (عندما يخدع الجاني الضحية بدلاً من اختراق النظام)
تعتمد عصابات الاحتيال المالي الرقمي في هذا النمط على ما يُعرف بـ«الهندسة الاجتماعية» ويُطلق عليه أحيانًا «الاختراق الإدراكي»؛ حيث لا يهاجم الجاني النظام المصرفي مباشرة، وإنما يستهدف العنصر البشري، فينتحل صفة موظف بنك أو شركة اتصالات، أو يرسل رابطًا أو إعلانًا خبيثًا، أو يوهم الضحية بوجود مشكلة في حسابه أو فوزه بجائزة، ثم يستدرجه إلى الإفصاح عن بياناته السرية أو رمز التحقق (OTP)، أو إلى تنفيذ التحويل بنفسه.
وهنا تكمن الثغرة القانونية، إذ لم يعرف قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 «الهندسة الاجتماعية» أو «التصيد الاحتيالي» أو «الإعلانات الخبيثة» كوسائل إجرامية مستقلة، وإنما عالجت المادة 23 صورًا من الوصول بغير وجه حق إلى أرقام أو بيانات بطاقات البنوك وأدوات الدفع الإلكتروني، وشددت العقوبة إذا ترتب على ذلك الاستيلاء على مال الغير. لكن الصورة تختلف عندما يحصل الجاني على بيانات الدخول أو رمز التحقق من الضحية نفسه نتيجة الخداع، دون اختراق تقني للنظام المصرفي؛ إذ يثور عندئذ إشكال حول مدى انطباق وصف «الوصول بغير وجه حق» على الواقعة، وقد ينتقل التكييف إلى نصوص النصب التقليدي، بما لا يعكس دائمًا الطبيعة الرقمية والمركبة لأساليب الاحتيال الحديثة.
وفي هذا السياق، جرم المشرع السعودي بنص خاص جريمة الاحتيال الرقمي، حيث تعاقب المادة 4 من نظام مكافحة جرائم المعلوماتية السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/17 كل من ارتكب جريمة معلوماتية واستولى على مال الغير بطريق الاحتيال أو الكذب أو انتحال صفة غير صحيحة، بعقوبة السجن مدة لا تزيد على 3 سنوات وبغرامة لا تزيد على مليوني ريال أو إحدى العقوبتين. ويُلاحظ أن النص لم يشترط أن تكون الوسيلة المستخدمة اختراقًا تقنيًا للنظام الإلكتروني.
وفي النهاية، تكشف هذه الثغرات أن التحدي الحقيقي أمام المشرع لم يعد في غياب النصوص تمامًا، وإنما في عدم كفاية بعض النصوص القائمة لاستيعاب الوسائل الجديدة التي تُرتكب بها الجرائم المالية الرقمية. لذلك تظهر الحاجة إلى تدخل تشريعي محدد يعالج هذه الصور المستحدثة بنصوص واضحة ومستقلة:
- نص يواجه منصة الاستثمار الوهمي منذ إنشائها وإدارتها والترويج لها واستقطاب الأموال من خلالها.
- نص يجرم منصات القمار والمراهنات الرقمية ومن يديرها أو يروج لها أو يعمل وسيطًا لصالحها.
- نص يستوعب الهندسة الاجتماعية والتصيد والإعلانات الخبيثة باعتبارها وسائل حديثة للاستيلاء على الأموال.
فالهدف من تطوير التشريع ليس ملاحقة الجاني بعد أن تتبخر الأموال، وإنما إغلاق المنافذ التي تستغلها الجريمة الرقمية، وحماية أموال المواطنين، وتحقيق التوازن بين سرعة المعاملات الرقمية وسرعة الحماية القانونية.









