- كيف صنع العقاد ملحمة سينمائية قدّمت الإسلام إلى العالم؟.. ولماذا رفض تغيير اسمه؟
- 17 مليون دولار لصناعة الملحمة.. وتهديدات بالقتل.. ومنع عربي
- أنتوني كوين يتعلم من عبد الله غيث.. عمر الشريف خارج البطولة.. ومحمد علي كلاي يخسر دور بلال بن رباح
- محمود ياسين.. الصوت الذي منح «الرسالة» روحها العربية
في محراب الفن والإيمان، ومع الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، يعود إلى الواجهة من جديد أحد أهم الأعمال التي تجاوزت حدود الزمان والمكان، فيلم «الرسالة» بنسختيه العربية والإنجليزية، للمخرج الراحل مصطفى العقاد.
لم يعد «الرسالة» مجرد فيلم تاريخي يُعرض على الشاشات، وإنما تحول إلى ملحمة سينمائية وإنسانية راسخة في وجدان الملايين، استطاعت أن تعبر الحدود والثقافات واللغات، وأن تظل حاضرة رغم مرور عقود على إنتاجها.
ومن وحي هذه المناسبة العطرة، فتحت «الجمهورية» ملف هذا العمل الاستثنائي، لتغوص في كواليس صناعته، وتكشف أسرار رحلته الصعبة، وتستعيد شهادات أبطاله وصُنّاعه، وتبحث في الرسالة الإنسانية التي حملها إلى العالم.
مراحل صناعة الرسالة
في البداية، يستعيد الفنان الكبير ياسر علي ماهر، نجل الكاتب والمفكر الإذاعي ورائد القصص الديني محمد علي ماهر، أحد صُنّاع فيلم «الرسالة»، ذكريات والده الراحل عن كواليس هذا العمل الفني، قائلًا: «أحب أن أقول إن والدي، الإذاعي والمفكر الكبير محمد علي ماهر، رائد القصص الديني في مصر، تبنى حلمًا كبيرًا حمله على عاتقه، وهو تبسيط الرواية الدينية والقصص الديني ليصل إلى قلوب وعقول الناس في كل مكان.
لقد رحب بفكرة المخرج الكبير مصطفى العقاد لتقديم فيلم عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليكون العنوان الأول للعمل، متضافرًا مع جهود كتّاب كبار مثل عبد الرحمن الشرقاوي، وتوفيق الحكيم، وعبد الحميد جودة السحار، بالإضافة إلى الدكتور أحمد شلبي، المؤرخ الكبير والمتخصص في تاريخ الحضارة الإسلامية، مشرفًا على لجنة التدقيق التي راجعت سيناريو الفيلم لضمان توافقه مع الرؤية الإسلامية قبل عرضه على الأزهر.
وقد عملت هذه المجموعة مع الكاتب الأيرلندي هاري كريج، مؤلف الفيلم الشهير «لورنس العرب»، وكتبوا معًا حوالي خمس نسخ للسيناريو، مترجمين وموثقين المعلومات لضمان توافقها مع الرؤية الإسلامية، حتى تم الانتهاء من السيناريو وختمه من الأزهر الشريف بالموافقة، وكان السيناريو يحمل في البداية اسم «محمد رسول الله».
ويكمل قائلًا: بعد تلك المرحلة، واجه العقاد تحديات أكبر، حيث سعى للحصول على موافقة المجلس الشيعي الأعلى في لبنان ورابطة العالم الإسلامي. لكن بعض أعضاء الرابطة رفضوا العمل تمامًا دون قراءة السيناريو، متخوفين من تشويه سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بسبب طابعه الهوليوودي ومشاركة ممثلين أجانب مثل أنتوني كوين».
معركة إنقاذ الفيلم
ويضيف الفنان ياسر علي ماهر: «لم يستسلم العقاد، بل واصل مسيرته وصوّر أجزاءً من الفيلمين في المغرب، قبل توقف التمويل ومطالبته بالمغادرة بسبب مخاوف من متشددين، وللمحافظة على سلامة فريقي العمل. وفي هذا الشأن، أحب أن أوضح، من واقع كوني مخرجًا مسرحيًا، أن ما فعله مصطفى العقاد كان بالغ الصعوبة، حيث قام بالتصوير بفريقي عمل؛ إذ كان كل مشهد يُصوَّر مرتين متتاليتين؛ مرة بممثلين عرب، ثم يُعاد تصويره مباشرة بممثلين أجانب، مستخدمين الديكورات والملابس نفسها، بينما ظل فريق التصوير والإخراج والإضاءة والمونتاج واحدًا في النسختين. وهو أمر بالغ الصعوبة، ولم يحدث من قبل في تاريخ السينما».
مواجهة التحديات
ويكمل قائلًا: «تحدٍّ آخر واجهه العقاد، حيث انتقل من طنجة بالمغرب إلى ليبيا التي قدمت له الدعم، ونقل المعدات والفنانين عبر البحر في ظروف صعبة، مع تفكيك الديكورات والماكينات وإعادة تركيبها مرة أخرى.
فقد احتاج فريق العمل إلى نحو خمسة أشهر لبناء مدينة مكة القديمة، كما ضم الإنتاج ممثلين وفنيين وعمالًا ينتمون إلى 28 جنسية، يعملون في درجات حرارة مرتفعة للغاية في الصحراء الليبية، مستعينًا بالجيش والقبائل الليبية ككومبارس ومجاميع.
وبلغت تكلفة الفيلمين 17 مليون دولار».
شائعات وتهديدات بالقتل
ويقول المخرج ياسر: «قبل عرض الفيلم، وهو النسخة الإنجليزية عام 1976 في لندن، قوبل باحتجاجات عنيفة من بعض الجماعات المتشددة دينيًا، بناءً على شائعات انتشرت بأن النجم أنتوني كوين يجسد دور النبي الكريم، حتى إنه تم تهديد العقاد بالقتل، وتم تعيين حراسة له من قبل شرطة اسكتلاند يارد.
إلى أن دعا المخرج مصطفى العقاد قادة الفكر الديني إلى مشاهدة عرض خاص للفيلم وتقييمه، وبالفعل تم تغيير موقف الجماعات الدينية، حيث أشادوا بالفيلم».
لماذا تغيّر اسم الفيلم؟
أما عن سبب تغيير اسم الفيلم، فيؤكد الفنان ياسر علي ماهر قائلًا: «بعض الأئمة في لندن والولايات المتحدة طلبوا من المخرج مصطفى العقاد تغيير اسم الفيلم، نظرًا لأن أفيشات الفيلم ستُعرض في ساحة سوهو بلندن وميدان التايمز بحي مانهاتن بأمريكا، وما تحويه هذه الساحات من إعلانات قد تكون غير لائقة ولا تتناسب مع قدسية أفيش الفيلم الذي يحمل اسم النبي الكريم. بالفعل، قام العقاد بتغيير الاسم في النسختين إلى «الرسالة»: الأولى بالإنجليزية لتخاطب الجمهور العالمي، والثانية باللغة العربية موجهة إلى العالم العربي.
وشارك في النسختين ممثل بريطاني واحد فقط هو أندريه موريل، الذي جسد شخصية أبي طالب، بينما اختلفت بقية الشخصيات بالكامل.
ففي النسخة الإنجليزية، لعب النجم العالمي أنتوني كوين دور حمزة بن عبد المطلب، مع إيرينا باباس في دور هند بنت عتبة، بينما قدم الشخصية نفسها في النسخة العربية الفنان المصري الكبير عبد الله غيث، مع الفنانة السورية منى واصف».
رغم موافقة الأزهر.. لماذا مُنع الفيلم؟
أما عن أسباب منع الفيلم في مصر وعدد من الدول العربية، سواء النسخة الأجنبية أو العربية، رغم موافقة الأزهر عليه وموافقة الرقابة، فتقول الناقدة الفنية أمل ممدوح:
«إن أسباب منع فيلم «الرسالة» لم تكن مباشرة من الأزهر أو الرقابة على المصنفات الفنية، بل كانت نتيجة لضغوط من جهات دينية متشددة رفعت قضايا ونظمت احتجاجات لوقف عرضه عام 1976، معتقدة أنه قد يسيء للسيرة النبوية.
وهذا راجع إلى عدم القدرة على التأكد من صدق المعلومات أو الشائعات التي انتشرت حول الفيلم، كما أن فيلمًا هوليووديًا يتناول السيرة النبوية أثار ارتيابًا وشكوكًا لدى رجل الشارع العادي، ففي ظل سيطرة التيار الصهيوني على الإعلام والمجال الفني في أمريكا، فالنتيجة محسومة، وهي أن فيلم «الرسالة» فيلم مسيء، وهو ما استجابت له السلطات، سواء المصرية أو العربية، وتم إصدار قرارات رسميًا بمنع الفيلم بنسختيه لمنع أي اضطرابات، قبل أن تعود الفضائيات لعرضه بعد سنوات طويلة، ليسجل نجاحًا منقطع النظير، ويصبح عملًا سابقًا لعصره ومترجمًا إلى اثنتين وعشرين لغة».
المساومة حول الهوية
في إطار بحث «الجمهورية» عن كواليس فيلم «الرسالة»، عثرنا على حوارات تلفزيونية نادرة توثق شهادات أبطال العمل وصُنّاعه حول رؤاهم وكواليس هذه الملحمة السينمائية.
حيث ذكر المخرج مصطفى العقاد، في إحدى الحوارات التلفزيونية، واقعة شهيرة حدثت له بعد أن حصل على درجة الماجستير في الإخراج والإنتاج السينمائي من جامعة كاليفورنيا، قائلًا: «في بداية مشواري الفني بأمريكا، تلقيت عرضًا مغريًا من شبكة NBC الأمريكية للعمل مخرجًا لديها مقابل راتب مرتفع، إلا أن مسؤولي الشبكة اشترطوا أن أتخلى عن اسم مصطفى واستبداله باسم أمريكي يسهل تداوله داخل الوسط الإعلامي، وهو ما رفضته بشدة، وهو ما دفع المحطة التلفزيونية إلى الاستغناء عني».
عبد الله غيث.. عندما تعلّم أنتوني كوين من ممثل مصري
ومن بين أكثر الكواليس إثارة، ما رواه الفنان الكبير الراحل عبد الله غيث عن علاقته بالنجم العالمي أنتوني كوين، الذي جسد شخصية حمزة في النسخة الإنجليزية.
وأكد غيث أن كوين طلب من مصطفى العقاد أن يبدأ هو بتصوير مشاهده أولًا، حتى يتمكن من متابعة أدائه قبل الوقوف أمام الكاميرا، مستفيدًا من طريقته في تجسيد شخصية حمزة بروحها العربية والإسلامية.
وكانت النسختان تُصوَّران بالتتابع داخل الديكور نفسه، الأمر الذي أتاح لأنتوني كوين متابعة أداء غيث عن قرب، وهو ما دفعه إلى الإشادة به، معربًا عن إعجابه بقدرته على تجسيد شخصية حمزة بما تحمله من شجاعة وهيبة وصدق إنساني.
ولم يقتصر التميز في النسخة العربية على الأداء التمثيلي، بل امتد إلى الأداء الصوتي، الذي تولاه الفنان الكبير محمود ياسين.
وروى ياسين، في أحد الحوارات التلفزيونية، أن تعاونه مع مصطفى العقاد جاء عن طريق شقيقه المنتج رياض العقاد، الذي سبق أن تعاون معه النجم محمود ياسين في فيلم «العذاب امرأة» للمخرج أحمد يحيى.
وأضاف أن الخطة الأولى كانت تقضي بتسجيل التعليق الصوتي في لندن، إلا أن مصطفى العقاد عدل عن هذا التصور، وقرر أن يتم التسجيل داخل استوديوهات القاهرة، إيمانًا منه بأن النسخة العربية يجب أن تحمل روح اللغة العربية ونبرتها الأصيلة، وهو ما أسهم في خروجها بالصورة التي حفظها الجمهور العربي عن ظهر قلب.
عمر الشريف.. نجم كبير خارج حسابات «الرسالة»
ورغم أن فيلم «الرسالة» ضم كوكبة من كبار نجوم العالم، فإن اسمًا بحجم عمر الشريف ظل الغائب الأبرز عن العمل، وهو الغياب الذي ظل يثير التساؤلات لسنوات طويلة.
وكشف عمر الشريف بنفسه، في أحد لقاءاته التلفزيونية، أنه كان يتمنى المشاركة في الفيلم، غير أن المخرج مصطفى العقاد اعتذر له عن عدم إسناد أي دور إليه.
وأوضح الشريف أن العقاد أخبره بأن مشاركته في ذلك التوقيت قد تثير حساسيات في بعض الأوساط العربية، بعد الجدل الذي صاحب أحد الأفلام التي شارك في بطولتها، مما أدى إلى أن نقابة المهن التمثيلية المصرية وضعت اسم النجم العالمي في اللائحة السوداء في ذلك التوقيت، وهو ما قد ينعكس سلبًا على استقبال الفيلم ويصرف الاهتمام عن رسالته الأساسية.
محمد علي كلاي.. لماذا لم يصبح بلال بن رباح؟
ولم يكن عمر الشريف وحده من تمنى المشاركة في الفيلم، فقد أبدى أسطورة الملاكمة العالمية محمد علي كلاي حماسًا كبيرًا لتجسيد شخصية الصحابي الجليل بلال بن رباح، إيمانًا منه بعظمة الشخصية ومكانتها في التاريخ الإسلامي.
لكن مصطفى العقاد، الذي كان يتعامل مع كل تفصيلة في الفيلم بمنتهى الدقة، اعتذر لكلاي عن عدم منحه الدور، موضحًا أن الشخصية تحتاج إلى ممثل محترف يمتلك أدوات الأداء الدرامي، وأن الشهرة العالمية والنجاح الرياضي، مهما بلغا، لا يمكن أن يحلا محل الخبرة التمثيلية المطلوبة لتجسيد شخصية بهذه القيمة التاريخية والروحية، وهو ما أكده العقاد نفسه في حوار تلفزيوني، وقد أدى دور مؤذن الرسول الممثل الأمريكي من أصول سنغالية جوني سيكا.
الجدير بالذكر أن فيلم «الرسالة»، النسخة الإنجليزية، رُشّح لجائزة الأوسكار لأفضل موسيقى تصويرية، والتي أبدعها الموسيقار الفرنسي موريس جار، إلا أنه خسرها لصالح فيلم «Star Wars».
«صلاح الدين».. الحلم الذي لم يكتمل
ورغم ما حققه من نجاح عالمي، ظل حلم واحد يراود مصطفى العقاد حتى آخر أيامه؛ أن يقدم فيلمًا ملحميًا عن القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي، يكون من بطولة الممثل العالمي شون كونري، بطل سلسلة أفلام جيمس بوند، وهو ما أكده العقاد سابقًا في أكثر من حوار تلفزيوني، وأن النجم الإنجليزي الشهير أبدى ترحيبه بتجسيد هذه الشخصية العربية.
كما أنه قضى أكثر من عشر سنوات يبحث عن التمويل اللازم لهذا المشروع، وأجرى عشرات اللقاءات مع منتجين ومستثمرين، وأعاد كتابة السيناريو أكثر من مرة، لكن المشروع ظل حبيس الأدراج، ولم يرَ النور.
وكان العقاد يعتبر أن تقديم شخصية صلاح الدين على الشاشة العالمية هو استكمال للرسالة التي بدأها بفيلم «الرسالة»، وسعيًا لتقديم نماذج مضيئة من التاريخ الإسلامي إلى العالم.
النهاية المأساوية.. ورحيل صاحب «الرسالة»
وفي التاسع من نوفمبر عام 2005، بينما كان مصطفى العقاد يشارك في أحد المؤتمرات بالعاصمة الأردنية عمّان، وقع تفجير إرهابي استهدف الفندق الذي كان يقيم فيه، وأُصيب العقاد وابنته ريما بإصابات بالغة، قبل أن يرحلا متأثرين بها.
«الرسالة».. فيلم هزم الزمن
بعد ما يقرب من خمسين عامًا على إنتاجه، لم يعد «الرسالة» مجرد فيلم تاريخي، بل أصبح وثيقة سينمائية وإنسانية تتجاوز حدود الفن.
فالأجيال تتعاقب، والمدارس السينمائية تتغير، لكن هذا العمل لا يزال حاضرًا في وجدان الملايين.
















