فى تاريخ الصراعات الدولية، هناك لحظات فاصلة لا تُقاس بتصريحات المسئولين فحسب، بل بزلزالها الذى يهز موازين القوى الراسخة، وما أعلنه وزير الخزانة الأمريكى سكوت بيسنت فى مقال بصحيفة «فايننشال تايمز»، عن شن «هجوم مالى غير مسبوق» على إيران، ليس مجرد إجراء عقابى عابر، بل هو إعلان عن مرحلة جديدة فى حرب الاقتصاد العالمي: مرحلة «الخنق الاستراتيجي» الذى لا يستهدف النظام الإيرانى فحسب، بل يمتد ليشمل أى دولة تتجرأ على أن تكون «شرياناً مالياً» لطهران.
هنا.. وفى قلب العاصفة، يفرض السؤال نفسه بقوة: كيف تتعامل دول الخليج مع هذه المعادلة المستحيلة؟ فكيف تحمى مصالحها عندما تتحول العقوبات الأمريكية إلى «سياسة شاملة»، وعندما يصبح تنفيذها مرتبطاً بالنظام المالى العالمى الذى تملك واشنطن مفاتيحه؟
الأخطر فى هذا الإعلان ليس فى مضمونه، بل فى امتداده: فبيسنت لوّح صراحة بتوسيع دائرة العزلة المالية لتشمل «أى دولة تعمل كشريان مالى لإيران»، هذه العبارة ليست تحذيراً، بل هى «إنذار مسبق» للدول التى تربط مصالحها الاقتصادية بطهران.
فى هذا السياق، يتحول الموقف الخليجى من – تأييد أو معارضة – العقوبات إلى معادلة أكثر تعقيداً: «كيف تحمى دول الخليج مصالحها عندما تتصادم مع الإرادة الأمريكية؟»، فإذا قررت واشنطن «معاقبة» أى دولة تتعامل مالياً مع إيران، فإن الدول الخليجية ستجد نفسها أمام خيارين مرين: إما الامتثال الكامل للعقوبات الأمريكية، مما يعنى خسارة مصالح اقتصادية وسياسية مع الجار الإيراني، أو المخاطرة بالعقوبات الأمريكية الثانوية، مما يعنى تعريض أنظمتها المالية ومؤسساتها التجارية لعقوبات قد تكون مدمرة.
فى هذا المأزق الاستراتيجي، بدأت دول الخليج فى رسم ما يمكن تسميته بـ»اللاءات الخليجية».
فكرة «اللاءات الخليجية» ليست بحثاً عن موقف صدامى مع واشنطن أو طهران، بل هى محاولة ذكية لتحديد «مساحة القرار» التى تستطيع دول الخليج التحرك داخلها عندما تتعارض مصالحها المباشرة مع خيارات القوى الكبرى، أو مع حسابات الجوار الإقليمي.
اللافت أن هذه «اللاءات» بدأت تتبلور فى موقف عملى مهم: التأكيد على أن دول الخليج «لن تسمح باستخدام أراضيها أو قواعدها العسكرية لشن اعتداءات على إيران»، هذا الموقف ليس مجرد بيان دبلوماسي، بل هو رسالة استراتيجية متعددة الأوجه:
– لواشنطن: نحن حلفاؤكم، لكننا لسنا قاعدة لانطلاق حرب لا نريدها.
– لطهران: نحن لا نريد مواجهة، ولا نسمح باستخدام أرضنا ضدكم.
– للدول الإقليمية: مصالحنا فى الاستقرار، لا فى التصعيد.
هذا الموقف يعكس نضجاً إستراتيجياً فى الرؤية الخليجية: فالدول التى تدرك أن «السيادة» ليست مجرد شعار، بل هى قدرة على اتخاذ قرار مستقل حتى فى ظل التحالفات، هى الدول التى تستطيع البقاء فى عواصف المنطقة.
والرهان الأكبر هو على القدرة على تحويل «اللاءات» من موقف دفاعى إلى «رؤية استباقية»: رؤية تبنى اقتصاداً خليجياً أكثر تكاملاً، وأكثر استقلالية، وأكثر قدرة على الصمود فى وجه العواصف الدولية.









