استكمالاً لما بدأناه فى المقال السابق بمناسبة ذكرى مولد رسول الحق «صلى الله عليه وسلم».. أحب أن أقول: إن الحكايات.. لا تشبه أى حكايات.. فراويها لا يشبه كل الرواة.. فهو الذى ما ضل وما غوي.. وما نطق يوماًَ عن هوي.. إنما علمه شديد القوي.. يقول «صلى الله عليه وسلم»: «لا يرد القضاء إلا الدعاء».. فالدواء سبب فى الشفاء.. لكن الشافى هو الله.. والعمل سبب فى الرزق ولكن الرازق هو الله.. والزواج سبب فى الأولاد ولكن المعطى هو الله.. إن الله يحب أن يسأل.. والإنسان يجب أن يعطي.. فقدم لله ما يحب ليعطيك ما تحب.. هذا أدم عليه السلام وزوجته يذنبان فيدعوان: «ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين».. فجاءت المغفرة.. ونوح عليه السلام لما ضاق ذرعاً بقومه يدعو: «رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً».. فكان الطوفان.. وإبراهيم يدعو: «فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم».. فكانت مكة حنين القلوب على مدار الزمن كله.. ولوط عليه السلام تضيق عليه الأرض فيدعو: «رب انصرنى على القوم المفسدين».. فيحمل جبريل القرى بجناحه.. ويقلبها رأساً على عقب.. وهذا يوسف عليه السلام تسد أبواب الأرض فى وجهه فيدعو: «وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين».. فيصبح عزيز مصر.. وموسى عليه السلام يدعو: «رب اشرح لى صدرى ويسر لى أمرى واحلل عقدة من لسانى يفقهوا قولى واجعل لى وزيراً من أهلى هارون أخي».. وعلى الفور تجيء الاستجابة: «قد أوتيت سؤلك يا موسي».. ويونس من داخل بطن الحوت يدعو: «لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين».. فيتحول بطن الحوت إلى وعاء وحصن.. وزكريا يدعو: «رب هب لى من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء».. فتبشره الملائكة بيحى عليه السلام.. الدنيا معركة مستمرة والدعاء سلاح المؤمن.. وجميعنا نحتاج إلى سلاح.. فليكن الدعاء.. أذكر القارئ.. أنى ككاتب سياسي.. لست متفقهاً فى الدين.. وقد قرأت خمسة كتب ذكرتها فى المقال السابق.. لأكتب لكم هذا المقال فى ذكرى يوم المبعوث رحمة للعالمين «صلى الله عليه وسلم».. وهناك شيء اسمه البركة.. فقد قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: إنى لا أسأل الله الرزق، فقد فرغ من قسمته.. لكنى أسأله البركة فيه.. انظروا إلى المبعوث رحمة للعالمين.. دخل رسول الله «صلى الله عليه وسلم» على يهودى فى سكرات الموت فيدعوه للإسلام.. فيسلم.. فيردد رسول الله: «الحمد لله الذى أنقذه بى من النار».. الأكثر من ذلك.. أن النبى «صلى الله عليه وسلم» ضربه قومه.. فأدموه.. فأخذ يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون».. ما هذا التسامح وهذه الرحمة يا رسول الله.. وقد بلغ من تواضع رسول الحق «صلى الله عليه وسلم» أنه نهى الصحابة أن يقفوا له إجلالاً إذا دخل عليهم.. وقد دخل عليهم مرة فوقفوا.. فغضب.. وبينما هو فى مجلسه تأتى جارية بنت سبع سنوات.. تأخذه من يده.. فيمشى معها ولا يدرى إلى أين.. ثم تسأله أن يشفع لها عند أسيادها.. لأنهم أرسلوها فى بعض حاجتهم.. فتأخرت عليهم.. فيمضى معها ويشفع لها.. ويقول أدهم الشرقاوى «قيس بن ساعدة».. لا يجب أن تسيء الأدب مع الله.. إذا انتصر الباطل على الحق.. أن تقول: أين الله؟ تذكر أن الله أطلق أيدى الناس على بعض.. ليس عن عجز منه.. وأمهل الظالمين.. ليس عن قلة جند عنده.. لكنه جعل هذه الحياة امتحاناً.. فكيف يرسب الظالم.. إن لم يكن لديه الحرية أن يظلم.. وكيف ينجح العادل.. إن لم تكن عنده الحرية ليعدل.. فالطريق إلى الجنة ليس معبداً بالورود.. هذا الطريق مشى فيه نوح عليه السلام تسعمائة وخمسين سنة من المشقة.. ونُشر فيه يحيى عليه السلام بالمنشار.. وطريق أُلقى فيه إبراهيم فى النار.. وطريق أُضجع فيه إسماعيل للذبح.. إن الجنة غالية.. ولا بد أن نعى جيداً.. أنه لا يوجد أحقر ممن ينكر المعروف.. ومن يرد المعروف بالإساءة.. ومن خصص دقائق لقيام الليل.. إلا وضع الله فيه نشاطاً يفوق ما وضعه بالذين ناموا الليل بطوله.. أمامى أعظم درس فى التسامح والعفو.. فلم تشهد البشرية أن قائداً أصدر قراراً بعفو عن كل من ناصبوه العداء.. وطردوه من أرضه وأخرجوه من بيته.. وأرادوا قتله.. وذلك يوم فتح مكة.. حيث قالوا له: هل تريد أن تستريح فى بيتك؟ فقال: إنهم لم يتركوا لى بيتاً فى مكة.. تقدم رسول الحق إلى الكعبة.. ودعا عثمان بن طلحة.. ففتح الكعبة.. ووقف على بابها وتكاثر الناس أمامه.. وتلا عليهم قول الله سبحانه: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكركم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير».. ثم سألهم.. بينما يقف جنوده وهم عشرة آلاف مسلم.. يرفعون سيوفهم.. ينتظرون إشارة أو كلمة واحدة.. ليقطعوا رءوس هذا الحشد من أبناء قريش.. وهنا أصدر العفو العام.. قائلاً: «اذهبوا فأنتم الطلاقاء».. ما أجمل هذه النفس.. التى ارتفعت فوق الحقد والانتقام.. صلوا على المبعوث رحمة للعالمين.. الذى جاء ليتمم مكارم الأخلاق.









