لم تكن العلاقة بين مصر والسودان يوماً مجرد جوار جغرافي، بل هى رباط تاريخى ومصير مشترك يجعل من أى مساس بأمن الخرطوم تهديداً مباشراً للعمق القومى المصري. وفى ظل الأزمة الطاحنة التى يعيشها الشعب السودانى الشقيق، تواصل الدولة المصرية الوقوف بثبات فى طليعة القوى الداعية إلى وقف عاجل لنزيف الدم وإنهاء الحرب، انطلاقا من رؤية قائمة على حماية الدولة الوطنية ورفض أى محاولات لتفكيكها.
لقد جاءت كلمة مصر أمام مجلس الأمن الدولى شديدة الوضوح، حيث وضع المندوب الدائم، السفير إيهاب عوض، المجتمع الدولى أمام مسئولياته التاريخية. إن الأولوية المصرية العاجلة هى وقف القتال فوراً، لكنها لا تكتفى بالدعوات النظرية، بل تقترن بتحرك فعلى يطالب بمقررات صريحة لإنهاء العوامل المغذية للصراع. وفى مقدمة ذلك، الدعوة الحاسمة لإقرار إطار فعال وذى مصداقية لمساءلة مرتكبى الفظائع والانتهاكات الجسيمة ضد المدنيين. فمحاسبة المتورطين فى جرائم العنف والتهجير ليست ترفاً سياسياً، بل هى ركن أساسى لضمان ألا تذهب دماء الأبرياء سدي، ولا تحتمل أى تهاون أو ازدواجية فى المعايير.
ترفض القاهرة بكل حسم المقاربات الخاطئة التى تسعى لمساواة مؤسسات الدولة الشرعية فى السودان بالميليشيات المتمردة. فالحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية يمثل الضمانة الوحيدة لمنع الانهيار الكامل وإعادة الأمن والاستقرار. ولا يمكن الحديث عن سلام حقيقى دون وقف الدعم الخارجى والتدفقات غير المشروعة للأسلحة والمرتزقة الذين يواصلون استهداف المدنيين فى دارفور وكردفان والنيل الأزرق. لقد أثبتت التجربة، كما أكدت مصر، محدودية جدوى حظر السلاح التقليدى فى غياب آليات إنفاذ صارمة تجفف منابع التصعيد وتمنع الإمدادات الخارجية للميليشيا.
إن الجهود المصرية المكثفة لا تسعى إلا نحو تحقيق هدف واحد وهو الوصول إلى وقف لإطلاق النار يكون «جسراً نحو السلام»، لا وسيلة لتجميد الصراع أو فرض أمر واقع يكرس تقسيم البلاد أو إنتاج ترتيبات موازية تضعف وحدة السودان وسيادته.
بالتوازى مع ذلك، تواصل مصر تحمل أعباء إنسانية كبيرة بفتح أبوابها للفارين من بطش الحرب، مع التشديد على ضرورة تأمين وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق لكافة المناطق المتضررة، وزيادة التمويل الدولى لخطط الاستجابة الإنسانية التى تعانى نقصاً حاداً.
فى وقت تتسارع فيه معدلات العودة الطوعية للمواطنين إلى المناطق التى استعادتها القوات المسلحة السودانية كعاصمة البلاد ومدنها المحررة يتوجب على المجتمع الدولى دعم مساعى إعادة الخدمات وتثبيت الاستقرار.
إن رسالة مصر للعالم حاسمة، سلام السودان يمر عبر احترام سيادته، ودعم مؤسساته الوطنية، وحظر الميليشيات ومحاسبة جناة الفظائع. فالسودان الموحد والآمن ليس خياراً تفاوضياً، بل هو ضرورة حتمية للأمن الإقليمى والدولي.









