منذ سنوات، وأنا أستمتع بمشاهدة القاضى الأمريكى الراحل فرانك كابريو لأنه كان إنسانا يرى ما وراء الأوراق والقوانين. كان يؤمن أن العدالة لا تكتمل إلا بالرحمة، وأن الإنسانية هى الوجه الأجمل للقضاء .ومن أكثر القصص التى رواها وأثرت فى نفسي، قصة معلمة بلغت الرابعة والسبعين من عمرها، حضرت بنفسها إلى المحكمة لدفع غرامة مرورية بعد أن أوقفت سيارتها أمام أحد المستشفيات فى مكان غير مخصص للانتظار. لم تنكر خطأها، لكنها أوضحت أنها كانت تتلقى علاجا من سرطان فى مراحله المتأخرة، ولم تعد قادرة على السير من موقف السيارات إلى باب المستشفي. وحين سألها القاضى لماذا حضرت بنفسها ولم تدفع الغرامة إلكترونيا، أجابت ببساطة: «لقد قضيت عمرى كله أعلم تلاميذى أن يتحملوا مسئولية أخطائهم، فكيف أخالف أنا ما كنت أعلمه لهم؟» وفى لحظات، اكتشف القاضى أن اثنى عشر شخصا من الحاضرين كانوا من تلاميذها. وتحولت قاعة المحكمة إلى مشهد رائع من الوفاء، وقف فيه الجميع احتراما لمعلمة لم تترك ثروة، لكنها تركت أثراً فى قلوب أجيال كاملة.
وأنا أشاهد هذا الموقف، عاد بى الزمن عشرات السنين إلى مدرسة حلوان الابتدائية… إلى رجل ما زال يعيش فى ذاكرتى حتى اليوم… الأستاذ صبحي، مدرس العلوم. لا أتذكر تفاصيل ملامحه بقدر ما أتذكر حضوره. كان يدخل الفصل بهدوء، لكن حضوره يملأ المكان. لم يكن يشرح الدرس فقط، بل كان يزرع فى نفوسنا الثقة، ويجعل كل واحد منا يشعر أنه قادر على النجاح. وما زلت أذكر ذلك اليوم الذى سلمنى فيه شهادة التفوق، وما زالت كلماته المشجعة ترن فى أذنى حتى الآن. ربما لم يكن يعلم أن تلك الكلمات ستظل ترافقنى طوال حياتي، وأنها كانت من أقوى الدوافع التى دفعتنى إلى الاجتهاد والتفوق. فالمعلم لا يشرح كتاباً فقط، بل قد يغير بكلمة واحدة مسار حياة تلميذ.
وأذكر أن أحد معلمى المدرسة كان يجرى بحثاً تربوياً عن أثر المعلم فى ذاكرة التلاميذ. نعم.. لا تتعجبوا.. كان المعلم فى ذلك الزمن يقرأ ويبحث ويجتهد، ولم يكن مجرد موظف يؤدى ساعات عمله.
طلب منا أن يرسم كل واحد منا وجه رجل.. أى رجل. لم أكن أملك أى موهبة فى الرسم، لكننى فوجئت بعد انتهاء التجربة بأن الملامح التى خرجت من تحت يدى كانت ملامح الأستاذ صبحي. ولم أكن وحدي؛ فقد حملت رسومات كثير من زملائى وجوه أشخاص أحبوهم وتأثروا بهم.
كثيراً ما أشبه تعليم الأمس بالطعام الذى كانت تعده أمى بيديها.. أكل بيتي.. ربما لم تكن مكوناته كثيرة، لكنه كان دائماً مليئاً بالحب والمودة، وكانت كل لقمة فيه تحمل دعوة صادقة بالهناء والشفاء.أما تعليم اليوم، فأخشى أنه أصبح فى كثير من الأحيان أقرب إلى الوجبات السريعة؛ يملأ العقل بالمعلومات، لكنه لا يترك دائماً ذلك الأثر العميق فى الشخصية والوجدان. نعم.. تغير الزمن، وتغيرت وسائل التعليم، وهذا أمر طبيعي، لكن السؤال الذى يحيرنى هو: لماذا لم يتغير التعليم لدينا إلى الأفضل كما حدث فى كثير من دول العالم؟
لا أعتقد أن المشكلة تبدأ من المناهج أو الامتحانات أو التكنولوجيا، فكلها أدوات مهمة، لكنها ليست العنصر الحاسم. فجوهر العملية التعليمية سيظل هو المعلم. إنه أكثر عناصر المنظومة التعليمية تأثيراً فى بناء الإنسان، وهو الاستثمار الحقيقى الذى يحدد جودة التعليم كله.
ولهذا، إذا أردنا إصلاحاً حقيقياً للتعليم، فعلينا أن نبدأ من البداية الصحيحة: من إعداد المعلم فى كليات التربية، وتأهيله علمياً وتربوياً ونفسياً، تماماً كما نبدأ بإعداد الطبيب فى كلية الطب أو المهندس فى كلية الهندسة. فالمعلم لا يؤهل فى يوم، وإنما يبنى على مدى سنوات.
لقد قال حكيم هندى قديماً: «إذا أردت أن تسير إلى الأمام، فانظر أولاً إلى الوراء.» وليس المقصود أن نعود إلى الماضي، وإنما أن نستعيد منه القيم التى صنعت نجاحه، ثم نبنى عليها تعليماً يليق بأبنائنا.
وأنا على يقين أن تطوير التعليم لن يتحقق بكثرة القرارات، ولا بتغيير الكتب كل عام، وإنما بصناعة المعلم الذى يصنع الإنسان. فقد نبنى آلاف المدارس، وننفق المليارات على المناهج والتكنولوجيا، لكن يبقى السؤال: من الذى سيقف أمام التلاميذ؟
أحلم بأن يأتى يوم يكون فى كل مدرسة من مدارس مصر أستاذ صبحى جديد… معلم يترك فى قلوب تلاميذه أملاً، ويزرع فى نفوسهم ثقة، ويمنحهم كلمة صادقة تظل ترافقهم طوال العمر.
فالإنسان قد ينسى ما تعلمه فى كتاب… لكنه لا ينسى أبداً معلما أحبه.









