دائمًا ما نتابع اللقاءات التى يعقدها دولة رئيس الوزراء المحترم مع أعضاء وزارته، سواء الاجتماعات الدورية التى يعقبها مؤتمر صحفى يشرح فيه رئيس الوزراء الأوضاع بمنتهى الشفافية والوضوح، أو تلك اللقاءات الثنائية مع السادة الوزراء، كلٌّ فى اختصاصه.
وتصدر التصريحات والتغطيات الإخبارية لهذه اللقاءات بمنتهى السرعة، بالصوت والصورة والتحليل والتعقيب، سواء بالموافقة والدعم أو بالرفض والمعارضة.
إذن، نحن أمام ضخٍّ غزير ومتواصل لأخبار القرارات الحكومية من أعلى إلى أسفل، ليستقبلها الناس، كلٌّ بعين ظرفه وموضعه وموقفه من الدولة.
لكن السؤال الذى يستحق التوقف طويلًا أمامه: هل لدى الحكومة آلية أمينة ومجردة تقيس بها «الأثر» الحقيقى لقراراتها على حياة الناس، ومن ثمَّ على مزاجهم العام، ثم على السلم المجتمعي، ثم على استقرار الدولة، وصولًا إلى الأمن القومى للبلاد؟
وهل لدى الحكومة آلية أمينة ومجردة تتيح لها الاستماع إلى الناس مباشرة، بعيدًا عن التقارير التى ربما تُكتب أحيانًا بلغة خجولة أو منمقة، فلا تنقل الواقع كما هو؟
وهل نزل الوزراء المحترمون من علياء مناصبهم، وخرجوا من شرنقة دهاليز الجهاز الإدارى العتيق إلى الشارع، حيث الناس وحيث ملح الأرض، ليستمعوا إليهم قبل أن ينبرى كل واحد منهم لإصدار التصريحات واتخاذ القرارات الصعبة التى تؤثر بصورة مباشرة فى حياة المواطنين؟
أخشى أن بعض المسؤولين فى بلادى ينظرون إلى الناس وكأنهم «عايشين فى مية البطيخ»؛ لا يفهمون التحديات، ولا يدركون الظروف المحيطة، ولا يعرفون ما تمر به الدولة من أزمات وضغوط. ومن هنا نجد بعضهم يتأفف من الاشتباك الحقيقى مع قضايا المجتمع، أو لا يمنحها ما تستحقه من اهتمام واستماع.
وينظر بعض هؤلاء المسؤولين إلى رجال الإعلام والصحافة باعتبارهم شرًا لا بد منه، ينبغى الابتعاد عنه قدر الإمكان؛ لأن الإعلاميين ـ فى تصورهم ـ لا يفهمون فلسفة الحكومة، ولا يدركون تعقيدات الظروف التى تمر بها البلاد. فهم، وفق هذه النظرة، «بتوع ميديا» يبحثون عن جنازة يشبعون فيها لطمًا، أو عن «تريند»، أو مساحة للمزايدة، أو فرصة للهجوم.
وأنا هنا لا أهاجم أحدًا، ولا أتهم أحدًا، ولا أزايد على أحد، لكننى أطالب الدكتور مصطفى مدبولى بأن يخصص جزءًا حقيقيًا من وقته لسماع الناس مباشرة، وأن يقسّم مساحة التواصل بين الاستماع إلى الوزراء والاستماع إلى المواطنين.. «فالحكومة التى تسمع وزراءها فقط تسمع نصف الحقيقة، أما النصف الآخر ففى الشارع، وفى البيوت، وفى جيوب الناس».
أتخيل، مثلًا، أن وزيرًا يقدم إلى رئيس الحكومة تقريرًا عن مشكلة تتعلق بالاعتمادات أو المخصصات أو التمويل أو غيرها، فيسأله رئيس الوزراء عن الحلول المقترحة والسيناريوهات البديلة، فيأتى الرد: لا حل سوى زيادة الأسعار، وإلا تعرضنا لكارثة أكبر من غضب الناس.
لكننى أتصور أن هناك دائمًا حلولًا أخري، أو على الأقل محاولات أخري، قد تحقق قدرًا من المواءمة بين ضغوط الموازنة العامة للدولة والموازنة الخاصة للناس.
أكتب هذا الكلام وأنا أعى تمامًا حجم الظروف التى تمر بها الدولة، وخاصة من الناحية الاقتصادية، وأتفهم جانبًا كبيرًا من الضغوط التى تتحملها الحكومة. لكنني، فى الوقت ذاته، أرى وأسمع حقائق الشارع، وأسمع الناس والأهل والجيران، وأدرك حجم الضغوط الهائلة التى أثرت فى الحالة المعنوية للأمة، وفى قدرة الأسر على الاحتمال، بل وفى مستوى الثقة فى القرارات والوعود الحكومية التى ينقلها الإعلام.
وهنا لا تكفى التصريحات، ولا تكفى المؤتمرات الصحفية، ولا تكفى الأرقام مهما كانت دقيقة.
الناس تحتاج إلى قرار تشعر من خلاله بأن الدولة تراها، وأن الحكومة تسمع أنينها قبل أن تطلب منها مزيدًا من الصبر والتحمل.
ولهذا أطالب دولة رئيس الوزراء بدراسة قرار واضح بعدم زيادة أسعار أى سلعة أو خدمة حكومية لمدة عام كامل، ما دام ذلك ممكنًا اقتصاديًا، مع البحث عن بدائل أخرى لتغطية الفجوات والضغوط.
بل وأطمع فى أكثر من ذلك: قرار بإعفاء الطلاب غير القادرين من دفع مصروفات المدارس لهذا العام، لكل من يطلب الإعفاء وتنطبق عليه شروط عدم القدرة.
نحن بحاجة إلى قرارات تعيد بناء الثقة قبل أن تكون مجرد قرارات اقتصادية؛ قرارات تقول للمواطن بوضوح: نحن نراك، ونسمعك، ونعرف حجم ما تتحمله، ولن نطلب منك دائمًا أن تكون وحدك الطرف الذى يدفع فاتورة الإصلاح.
مطلوب أن يشعر الناس بأن الدولة ترعاهم، وأن الحكومة تشعر بأوجاعهم وتتحرك لمحاولة مساعدتهم بقدر الإمكان، لا بالمسكنات والكلام، وإنما بإجراءات ملموسة تصل إلى البيوت قبل أن تصل إلى نشرات الأخبار.
يا دولة الرئيس..
استمع إلى الوزراء، نعم، واستمع إلى الخبراء، نعم، لكن لا تنسَ الطرف الآخر.
فالطرف الآخر ليس خصمًا، ولا معارضًا، ولا متربصًا ، الطرف الآخر هو المواطن، وهو فى النهاية من يتحمل أثر القرار.
وأرجو أن يُفهم كلامى فى سياقه الواضح، وألا يمتعض أحد أو يغضب أو يقول: «ده مش معانا.. ده عايش فى مية البطيخ!».









