وقعت أول جريمة قتل على الأرض منذ أن كان كل سكانها أربعة أشخاص فقط، آدم وحواء وإبناهما هابيل وقابيل، فقتل أحدهما أخاه، فكان دم هابيل أول دم بشرى يراق، وكان يمثل ربع تعداد سكان الكوكب، الذى لم يكن ضيقا عليهم، وكل ما فى الأرض ملك لهم، وهم أسرة واحدة لا أعداء لهم ولا منافسون فى أى شىء، فقط هو إبليس وشرور الأنفس لأنها الدافع للجريمة بسبب الحقد والكراهية.
وقد كانت جريمة قتل قابيل لأخيه الأولى لكن لم تكن الأخيرة، وتوالت حوادث القتل العائلية وغيرها إلى يومنا هذا، ولن تتوقف إلى أن تقوم الساعة، طالما هناك بشر وشيطان ومعاملات وخلافات وغضب وأطماع، وتتعدد الأسباب وكثير منه تافه ووليد اللحظة، وكثير أيضًا بعد تخطيط وتدبير ومكر وسبق إصرار وترصد.
لم تكن هناك جريمة قاسية وأخرى رحيمة، ولا واحدة بشعة وثانية لطيفة، فالجرائم كلها مهما كانت بشعة وقاسية وترفضها الأنفس السوية، وخلال الأسابيع الماضية، وقعت عدة جرائم استنكرها المجتمع أكثر مما يستنكر غيرها، وتفاعل معها أعداد غفيرة، الأولى هى يد الغدر التى جاءت من الصديق الذى أنهى حياة أسرة بكاملها، واستدرج صديقه رب الأسرة وقتله ثم دبر مكيدة لزوجته وابنتيه وقتلهم فى لحظة إعدام جماعى، ودون الخوض فى تفاصيل ولا التعرض لما يخص التحقيقات التى تختص بها الشرطة ثم النيابة العامة ومن بعدها المحكمة التى لها القول الفصل فى القضية وهى تقرأ كل حرف فيها.
كان من الملاحظ أن بعض الأصابع حاولت استغلال الحادث بشكل خبيث بعيدًا عن ظروفها، وأرادت أن تجعل منها فتنة لا تمت للواقع بصلة والعبث فى العلاقات وخلق صراعات نتائجها كارثية، وأظن أن تلك المحاولات قد كان معظمها من أصحاب حسابات مغرضة على مواقع التواصل أو بأسماء وهمية، وقد خابت مساعيهم وتحطمت أمنياتهم على صخرة الوعى الوطنى للمصريين وإدراكهم للفتن التى تحاك بين الحين والآخر وبأساليب متعددة.
أما الجريمة الثانية، فتلك التى قتل فيها شاب زوجته وشخصين آخرين بداعى الشرف، والعجيب والغريب آلاف الأشخاص الذين ادعوا علمهم ببواطن الأمور وذكروا تفاصيل متناقضة كلها عكس بعضها وكل منهم يدعى أنه «جاب الديب من ديله»، لكن الأكثر دهشة أولئك الذين نصبوا أنفسهم محققين وقضاة وأصدروا أحكامهم حسب أهوائهم، منهم من يدين المتهم ويكيل له الاتهامات ويطالب بتوقيع أقصى العقوبة عليه وربما طالبوا بالتنكيل به، وعلى العكس منهم من يبرر الفعل ويرى أن من حقه أن يقتل المجنى عليهم، بل ذهب آخرون إلى تكريمه وجعلوا منه بطلاً مغوارًا يستحق أن يصنع له تمثال، وكل أولئك كانوا بعيدين عن الحقيقة، وقد أثاروا الفتن، فليس من حقهم الخوض فى تفاصيل لا يعرفونها ويتناقلون معلومات لم يتأكدوا منها، ولا أدرى كيف سمحوا لأنفسهم بإصدار أحكام أو المطالبة بها.
ثم الجريمة الثالثة، تلك الصيدلانية التى قتلت ابنها، فلذة كبدها، وبنفس الأسلوب تحولت مواقع التواصل إلى محكمة تطلق العقوبات على الأم وتوجه لها أبشع الألفاظ وتصفها بأسوأ الأوصاف والكلمات غير اللائقة التى تلوث المسامع، وأيضاً لم يخل الأمر من الاتجاه المعاكس والآراء المخالفة، فانبرى من يدافع عن الأم وظروفها النفسية وما أدى بها إلى ارتكاب الجريمة، ويبحثون لها عن مبررات وأعذار وما قد تكون تعرضت له من ضغوط بسبب الطلاق وما عانت منه بعد ذلك.
إن هذه التدخلات فى القضايا تنازع اختصاصات القضاء، وتصدر أحكاماً خاطئة وفق الميول والأهواء، بينما القضاء لا يعرف ذلك ويستند فقط على الأوراق والأدلة الثابتة، لذا لا يجوز لأحد أن يفتش فى النوايا ولا يصدر أحكاماً من عندياته على طريقة محاكم التفتيش الاستثنائية فى أوروبا فى العصور الوسطي، والتى كان هدفها اكتشاف ومعاقبة المخالفين، واشتهرت بقسوتها الشديدة.
مواقع التواصل الاجتماعى، مهمتها من مسماها، لا لتحويلها إلى مشاحنات وخلافات وإثارة الفتن، حتى أننى كرهتها كراهية التحريم.!









