بقلم : أشرف عقل
قام المصريون القدماء برحلات متوالية فى القارة الإفريقية منذ ما يقرب من 2500 عام قبل الميلاد بحثا عن منابع النيل، وكانت أشهر رحلاتهم فى عصر الملكة حتشبسوت، والتى توجهت فيها السفن المصرية إلى بلاد بونت ، وقد سجلت تفاصيل تلك الرحلة على جدران معبد حتشبسوت بالبر الغربى بالأقصر ، والذى يعرف باسم « معبد الدير البحرى».. وفى العصر الحديث ، اتسمت العلاقات المصرية الإفريقية ، بداية من حكم محمد على باشا بكثرة الفتوحات فى مناطق القارة قبل أن تتكون الدول والحكومات فيها ، حتى وصلت إلى عمق إفريقيا ، وأصبحت حدود مصر حتى خط الاستواء جنوبًا ، وبلاد الحبشة شرقًا ، وقد رفع العلم المصرى فى تلك المناطق ، وتم اكتشاف بحيرات منابع النيل ، والسيطرة على الساحل الشرقى للقارة ، والتحكم فى المجرى الملاحى للبحر الأحمر ، وتأمين قوافل التجارة بين الشمال والجنوب والشرق والغرب.
وبعد قيام ثورة 23 يوليو 1952م ، دعمت مصر حركات التحرر الإفريقية التى تفجرت بقوة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، حيث احتضنت زعماء هذه الحركات ، وأمدتهم بالمال والسلاح والدعم السياسى والدبلوماسى ، وكان مقر الجمعية الأفريقية بالزمالك ملتقى مهما لهؤلاء جميعا.
وقد وضعت ثورة يوليو 1952م أسس الإستراتيجية السياسية المصرية تجاه القارة الإفريقية ، انطلاقا من حقائق التاريخ والجغرافيا ، واستهدافا لتحقيق مصالح الأمن القومى المصري.
وقد أنشأت مصر الصندوق المصرى للتعاون الفنى مع إفريقيا ومقره وزارة الخارجية المصرية ، حيث قدم المعونة الفنية للدول الأفريقية المتمثلة فى الخبراء والفنيين والأساتذة من الأزهر الشريف والجامعات والأطباء والعمالة الفنية ، كما اسهمت مصر فى إقامة السدود وتوليد الكهرباء المائية وغيرها من المشروعات ، وكان هناك أكثر من 52 مكتبا لثلاث شركات من القطاع العام المصرى تعمل فى مجال التجارة الخارجية من أهمها شركة النصر للاستيراد والتصدير.
وكان للدور الفاعل الذى قامت به مصر فى عهد الرئيس جمال عبدالناصر أثره الفعال فى إعلاء شأن إفريقيا على مستوى المحافل الدولية ، الأمر الذى أدى إلى اقرار الأمم المتحدة ليوم يحمل اسم القارة السمراء ، كما تحقق أكبر إنجاز إفريقى فى 52 مايو 1963م بصدور ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية ، التى ساهمت مصر فى انشائها ، كما أسهمت فى تأسيس تجمعى الكوميسا والساحل والصحراء ، كما تبنت مبادرة النيباد ، وجاء تأسيس الاتحاد الأفريقى بعد أن ظلت إفريقيا حتى منتصف القرن العشرين مسرحا للتنافس الاستعمارى لعدد من الدول الأوروبية التى سيطرت عليها واستغلت مواردها.
وقد سعت مصر فى أعقاب ثورة 30 يونيو 2013م ، إلى استعادة الدور المصرى فى إفريقيا كإحدى دوائر الأمن القومى المصرى ، خاصة فى ظل العلاقات التاريخية والمصالح الحيوية بين مصر ومحيطها الأفريقى ، حيث سعت مصر لاستعادة دورها التاريخى فى القارة من خلال رؤية إستراتيجية تتضمن: ملف مياه النيل ، الاتفاقية الإطارية للتعاون فى حوض النيل ، علاقات مصر مع كل من: دول حوض النيل ، دول القرن الأفريقى ، دول الجنوب الافريقى ، ودول الحزام الإسلامى ووسط وغرب أفريقيا .
وقامت الدبلوماسية المصرية بجهد كبير لإعادة مصر إلى مكانتها فى القارة الإفريقية بشكل عام ، ودول حوض النيل بشكل خاص ، وقد نجحت تلك الجهود فى حشد التأييد الأفريقى لاستئناف مصر لأنشطتها بالاتحاد الأفريقى ، وذلك عقب اجراء انتخابات الرئاسة المصرية فى عام 2014م.
ومع تولى الرئيس السيسى الحكم فى مصر فى يونيو 2014م، انتهج سياسة جديدة فى علاقة مصر بأشقائها الأفارقة ، حيث تميزت توجهات مصر الإفريقية بأنها أكثر شمولية من سابقاتها ، إذ تضمنت توطيد العلاقات الاقتصادية والأمنية والثقافية والتجارية ، ونجحت القيادة المصرية فى إعادة الدور المصرى بعد حوالى عام وأحد من تجميد مشاركة مصر فى أنشطة الاتحاد الإفريقى ، حيث وافق مجلس السلم والأمن الأفريقى على إنهاء هذا التجميد ، لتعود مصر إلى الحضن الأفريقى من جديد كدولة فاعلة قوية .
حرصت مصر على الاستجابة للاحتياجات التنموية لدول حوض النيل وفقا لأولوياتها فى المجالات المختلفة ، سواء من خلال المبادرة المصرية لتنمية حوض النيل ، أو الدور الرائد للوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية ، والتى حلت محل الصندوق المصرى للمعونة الفنية ، خاصة فى مجالات الطاقة والرى والصحة والزراعة وغيرها ، كما عقدت العديد من اللجان المشتركة مع دول حوض النيل لمتابعة ماتم توقيعه من اتفاقات ، بالإضافة إلى تكثيف الزيارات الثنائية على المستويات الرئاسية والوزارية وغيرها ، كما حرص الرئيس السيسى على التواصل المستمر مع القادة الأفارقة.
وجاء انتخاب مصر لترأس دورة الاتحاد الافريقى عام 2019م ، تقديرا لدورها الريادى فى القارة ، وقد عملت مصر خلال رئاستها على دعم أجندة إفريقيا 2063، من خلال تعزيز التعاون مع الدول الإفريقية ، لتحقيق الأهداف الرئيسية للأجندة وهي: تحقيق التنمية المستدامة ، والقضاء على الفقر وفق التوقيت الزمنى المحدد لها.
وقد حققت مصر أثناء رئاستها للاتحاد الأفريقى إنجازات عديدة على المستويات الاقتصادية والثقافية والأمنية والسياسية والرياضية والاجتماعية والشبابية والصحية من أهمها:
– إطلاق المرحلة التشغيلية لمنطقة التجارة الحرة الافريقية خلال القمة الاستثنائية التى عقدت بالنيجر عام 2019م ، حيث وقعت عليها 54 دولة ودخلت حيز النفاذ.
– إنشاء صندوق مخاطر الاستثمار فى إفريقيا 2018م.
– الإعلان عن العديد من المشاريع فى مجال النقل خلال مؤتمر المدن الافريقية فى يونيو 2019م.
– استضافة المؤتمر الاقتصادى الافريقى فى ديسمبر 2019م ، بشرم الشيخ .
– توقيع اتفاقية استضافة مصر لمركز الاتحاد الأفريقى لإعادة الإعمار بعد النزاعات فى 2019م ، والذى اقترحت مصر انشاءه.
– احتضنت مصر مؤتمر نواب العموم بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا فى 2019م.
– استضافت مصر القمة الأفريقية المصغرة لمناقشة تطورات الوضع فى السودان فى 2019م.
– زيادة المنح الدراسية المقدمة للطلاب الأفارقة للدراسة فى الجامعات المصرية.
– تنظيم أكبر بطولتين فى القارة الأفريقية للمنتخبات الأولى «بطولة أمم أفريقيا للكبار « ، وكذلك بطولة أمم إفريقيا تحت 23 عاما ، وذلك فى عام 2019م.
– المشاركة فى منتدى شباب العالم 2019م بشرم الشيخ ، والذى حقق نتائج عديدة على المستوى الافريقي.
– تطوير المراكز الإسلامية المصرية فى عدد من الدول الأفريقية ، ومشاركة الكوادر الافريقية فى مسابقات وزارة الاوقاف المصرية ، وفى مؤتمرات المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ، ورعاية عدد من الطلاب الوافدين ماليا ، وغيرها .
– تدشين عدد من المبادرات الصحية مثل مبادرة الرئيس السيسى لعلاج مليون إفريقى من فيروس سى من 18 دولة إفريقية.
– نقل الخبرات المصرية فى علاج الملاريا إلى عدد من الدول الأفريقية ، وتقديم وحدات للغسيل الكلوى إلى البعض منها ، وغير ذلك.
وأمس الأول شارك رئيس الوزراء المصرى فى تدشين سد جوليوس نيريرى ، وهو أكبر مشروع كهرومائى فى تاريخ تنزانيا ، يقع على نهر روفيجى داخل محمية «سيلوس» فى جنوب تنزانيا بمنطقة «مورغورو» . وقد سمى السد باسم الزعيم التاريخى «جوليوس نيريري» الأب الروحى للشعب التنزانى . وقد نفذ المشروع تحالف مصرى خالص من: شركتى «المقاولون العرب» و»السويدى إليكتريك».
وقد شارك فى التنفيذ نحو 1700 مهندس وفنى مصرى ضمن فريق عمل ضم حوالى 12 ألف عامل.
وقدمت مصر المشروع كنموذج لدعمها لحقوق دول حوض النيل فى التنمية بما لا يضر بدول المصب ، وفى إطار سعيها الدءوب للتعاون مع هذه الدول وليس التعارض.
وكما أكد رئيس الوزراء المصرى بأن نجاح السد «يدحض ما كان يُثار فى السابق حول معارضة مصر للتنمية فى دول حوض نهر النيل» ، وشدد على أن «ملف نهر النيل أمر وجودى بالنسبة لمصر» مع استمرار دعم التنمية فى الدول الشقيقة.
أن مشروع السد يعد تحولا من مجرد انشاء سد أو محطة كهرباء إلى «رمز للتعاون التنموي» و « أيقونة للشراكة الإستراتيجية بين مصر وتنزانيا « ، كما يعكس قدرة الشركات المصرية على تنفيذ المشروعات العملاقة فى إفريقيا ، وخاصة دول حوض النيل التى تعد تنزانيا جزءا منها ، ومن دول المنبع ، وتقع أجزاء من أراضيها ضمن 3 % من مساحة الحوض ، وتطل على بحيرة فيكتوريا المصدر الرئيس للنيل الأبيض . لذا فإن دعم مصر لمشروعات التنمية هناك هو جزء من « دبلوماسية السدود « ، واستعادة الزخم للعلاقات المصرية الإفريقية . كما أنه دليل عملى على أن مصر يمكن أن تكون شريكاً فى تنمية إفريقيا ، وأن التعاون ممكن مع الحفاظ على الحقوق المائية . كما وصف المسئولون السد بأنه : «نموذج حى وملهم للتكامل الإفريقى بأيادٍ وعقول مصرية».









