بقلم : د. صلاح حليمة
فى احتفال مهيب – شاركت فيه مصر بوفد رفيع المستوى برئاسة رئيس الوزراء د.مصطفى مدبولى نيابة عن الرئيس عبدالفتاح السيسى تم افتتاح مشروع سد ومحطة جوليوس نيريرى على نهر روفيجى الذى اكتمل بناؤه وبدأ تشغيله . لقد كان السد حلمًا راود الزعيم التنزانى الراحل جوليوس نيريرى مؤسس دولة تنزانيا الاتحادية ـ منذ ما يقرب من خمسين عامًا لدعم مسيرة التنمية.
لم يتحقق الحلم الا اليوم فى إطار إنجاز مصرى كبير، يجسد دعم مصر القوى لجهود التنمية فى دول القارة الافريقية خاصة دول حوض النيل التى تنتمى مصر وتنزانيا إليها، والتى تضطلع وزارة الرى المصرية بإنفاذ مشروعات بدول الحوض مرتبطة بالموارد المائية، تحقيقاً لنقلات نوعية فى العلاقات المصرية – الافريقية على المستويين الثنائي. كما يجسد ما لدى الشركات المصرية فى إطار تعاونى مع أجهزة الدولة المصرية من قدرات وإمكانات وما تملكه من تكنولوجيا متقدمة على تنفيذ مشروعات كبرى على المستوى القومى والإستراتيجى فى القارة الافريقية. ويؤكد فى ذات الوقت بما لا يدع مجالاً للشك فى دعم مصر لعملية التنمية فى إطار شراكة إستراتيجية أساسها التعاون الإستراتيجى بين مصر وتنزانيا. وهى أمور فى المجمل تدحض الادعاءات اتى يجترها كبار المسئولين فى أثيوبيا عن ان مصر تعارض التنمية، كما أنها تقف دليلاً على الحرص على المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة فى إطار شراكة بين البلدين اتساقاً مع القوانين والاتفاقات والمواثيق الدولية ذات الصلة واحتراما لها، دون أى انتهاك صارخ لأى منها بتصرفات أحادية وفرض أمر واقع يلحق أضراراً بدول وشعوب تتشارك فى السيادة على نهر دولي، كما يتعزز ما تقدم بالمناخ السياسى الشفاف الذى يسود العلاقات بين البلدين، وحسن النوايا والتوافق على الأهداف دون مواربة أو التفاف. وهكذا يمكن القول إن سد جوليوس نيريرى الذى شيده تحالف مصرى يضم شركة المقاولون العرب وشركة السويدى الكتريك وحظى برعاية ومتابعة من الرئيس عبدالفتاح السيسى تأمينا لأعلى معايير الجودة والتنفيذ فى اتساق مع البرنامج الزمنى وقد تم تنفيذه قبل الموعد المحدد بما يقرب من ستة أشهر، يمكن القول إن السد يجسد دوراً ريادياً لمصرفى دعم التنمية بالقارة الافريقية، بل مشروع عملاق فى قلب تنزانيا فهو ثانى أكبر مشروع كهرومائى فى القارة الافريقية، ويعد نموذجاً يحتذى به فى أطر العلاقات الثنائية مع دول تسعى لإقامة مثل هذه المشروعات.
يتكون المشروع من سد رئيسى يبلغ طوله 1025 متراً بينما يصل ارتفاعه نحو 131 متراً، يضم مفيضاً رئيسياً فى منتصف السد مزوداً بسبع بوابات، فضلاً عن مفيض للطوارئ من أحد السدود الجانبية. يستهدف المشروع تعزيز قدرات توليد الكهرباء فى تنزانيا من خلال محطة كهرو مائية تبلغ قدرتها الإجمالية 2115 ميجا وات، بجانب إنشاء خزان مائى ضخم تبلغ قدرته الاستيعابية حوالى 34 مليار متر مكعب من المياه . بلغت قيمة العقد الخاص بتنفيذ المشروع حوالى 9، 2 مليار دولار . يشمل نطاق الأعمال تنفيذ السد ومحطة توليد الكهرباء والأعمال الكهروميكانيكية بجانب شبكات الطرق والانفاق وخطوط نقل الكهرباء وأعمال أخرى مساندة للمشروع . تضم محطة توليد 9 توربينات رأسية تبلغ قدرة التوربين الواحد 235 ميجا وات يتضمن المشروع محطة ربط كهربائى بجهد 400 كيلو فولت وخطوط نقل كهرباء بجهد 400 كيلو فولت . يستهدف المشروع انتاج 6307 ميجا وات ساعة سنوياً من الكهرباء النظيفة.
واقع الأمر، أن السد وهو كما أشرنا يعد نموذجاً يمكن ان يحتذى به لإقامة مشروعات مماثلة فى دول افريقية، لا يقتصر مردوده فيما يتعلق بتوفير أمن الطاقة داخلياً مع فرص للتصدير إلى دول الجوار، وكذا التحكم فى تدفق المياه لحماية المناطق من مخاطر الفيضانات، بل يمتد لدفع عملية التنمية إلى آفاق ارحب، لتشمل القطاع الصناعي، بما فى ذلك القطاع الزراعى وارتباطه بقيام الصناعات الزراعية والغذائية المرتبطة بالأمن الغذائي، وبما ينعكس على حركة التجارة الداخلية ومع العالم الخارجي، عبر الطرق البحرية والبرية بما يعزز من تطوير البنية التحتية والهياكل الإنتاجية القائمة والمستحدثة، وهنا يمكن تنامى وتعاظم الدور المصرى فى القطاعات الإنتاجية المشار إليها بضخ استثمارات بكل منها ويمكن أن تمتد لتشمل القطاع الصحى وبناء القدرات عبر الآليات التى تمتلكها مصر فى هذا الصدد ومن أبرزها صناعة الأدوية، وزيادة البعثات التعليمية، وايفاد الخبراء فى المجالات المختلفة . وقد تتعزز انتقال عوامل الإنتاج المختلفة بين البلدين عبر مشروع الخط الملاحى المزمع إنشاؤه بين البلدين دار السلام سفاجة. فلنجعل من تلك التجربة الناجحة فرصة لتحقيق نوع من التكامل بين البلدين عبر شراكة إستراتيجية تعاونية، تتجسد بموجبها فرص وآفاق الاندماج الإقليمى والتكامل القارى كأهداف إستراتيجية لبرنامج الاتحاد الافريقى للتنمية المستدامة 2036.
فلنجعل من تجربة سد جوليوس نيريرى مركزاً لجذب دول أخرى تنشد إقامة مثل هذا النموذج التنموى الناجح عبر شراكة تقوم على التعاون الإستراتيجى كتلك القائمة بين مصر وتنزانيا، وتفتح فرصاً وآفاقا أرحب للتعاون فى أطر تنموية تتصل وترتبط ببرنامج الاتحاد الافريقى 2063 بقطاعاته الثمانية عشر.









