مبادرات أسرية لتخفيف عبء فاتورة التعليم
مع اقتراب موسم الدراسة فى كل عام تبدأ الأسر فى حساب تكلفة العام الدراسى الجديد من المصروفات والزى المدرسى إلى الأدوات والكتب والمذكرات الخارجية لتظهر أمام بعض أولياء الأمور فاتورة إضافية تحاول الأسر تخفيفها بشتى الطرق.. فى مواجهة ارتفاع تكلفة الكتب الخارجية والزى المدرسى والأدوات الدراسية ظهرت بين بعض أولياء الأمور مبادرة بسيطة فى ظاهرها لكنها تحمل أبعادًا اقتصادية واجتماعية وهى تبادل الكتب المستعملة بين الطلاب، وهى جروبات على مواقع التواصل الاجتماعى تجمع أولياء الأمور الراغبين فى الاستغناء عن كتب أبنائهم القديمة مع آخرين يبحثون عن الكتب نفسها، ليجد الكتاب طريقه من طالب إلى آخر بدلاً من أن تذهب الأسرة لشراء نسخة جديدة كل عام.
بهذه الفكرة بدأت المبادرة بالنسبة لبعض الأسر لتتحول عملية تبادل الكتب من مجرد وسيلة لتوفير المال إلى نموذج للتعاون والمشاركة فى وقت أصبحت فيه تكلفة التعليم تمثل بندًا مهمًا فى ميزانية الأسرة المصرية.
حيث يعرض أولياء الأمور الكتب التى لم يعد أبناؤهم بحاجة إليها مع تحديد الصف الدراسى والمادة وحالة الكتاب، بينما يبحث آخرون عن كتب لأبنائهم بأسعار أقل من تكلفة شراء النسخ الجديدة.
لم يقتصر الأمر على الكتب بل تجاوزه إلى الملابس والأدوات المدرسية وأيضاً النقل وهى مبادرات مبتكرة تقوم على المشاركة لإعادة تدوير الموارد والمستلزمات والاستفادة القصوى منها.
هذا ما أكدته تغريد السيد أدمن «جروب تبادل الكتب المدرسية لوجه الله» الذى تم إنشاؤه منذ أربعة سنوات بعد الاعتماد الكبير على الكتب الخارجية وارتفاع أسعارها فى نفس الوقت فى محاولة لتخفيف العبء وتسهيل الأمور فى بداية الأمر بين أصدقائها المقربين ثم انتشر الجروب وأصبح يضم أكثر من 380 شخصاً وكل شخص يبحث عن المناسب لأبنائه كما أن الهدف ليس منع شراء الكتب الجديدة، لكن لو كتاب متوفر لدى طالب وحالته جيدة طالب آخر محتاجه، لماذا الأسرة تدفع ثمن نسخة جديدة بدلاً من أن يحتفظ كل منزل بعشرات الكتب التى لم يعد أبناؤه بحاجة إليها، يمكن أن تنتقل هذه الكتب إلى طلاب آخرين، لتستمر دورة استخدامها بدلاً من انتهاء دورها بمجرد انتهاء العام الدراسي.
كما تشير سلوى متولى مؤسسة الجروب أنه عمل تطوعى ويتم عمل رسالة مثبتة على الجروب بذلك وتؤكد أنه بدون مقابل وأن الجروب للمنفعة العامة فقط كما أكدت على قيامها بإنشاء جروب اخر لتبادل ملابس المدارس أيضاً التى حالتها جيدة وغير متهالكة فمثل هذه المبادرات تعكس قدرة الأسر على ابتكار حلول جماعية للمشكلات اليومية، خاصة عندما تعتمد على المشاركة والتعاون بدلاً من تحمل كل أسرة للأعباء بمفردها.
يرى أولياء الأمور المشاركون فى هذه المبادرات أن الكتب الخارجية أصبحت أحد البنود التى تحتاج إلى حساب دقيق ضمن ميزانية الأسرة خاصة فى ظل تعدد المواد الدراسية واحتياج بعض الطلاب إلى أكثر من مصدر للمراجعة والتدريب.
تقول سحر سامى ربة منزل ابنى أنهى السنة الدراسية ولديه كتب حالتها جيدة جدًا، فبدلاً من الاحتفاظ بها دون استخدام قررت عرضها على الجروب وفى المقابل تمكنت من توفير كتب لابنى من خلال التبادل، وهذا وفر علينا جزءاً من المصاريف السنوية.. توضح شادية نبية أن المبادرة تساعد الأسر على الاستفادة من الكتب التى انتهى استخدامها بالنسبة لطالب.. لكنها ما زالت صالحة لطالب آخر، مضيفة هناك أسر لديها أكثر من طفل، فإذا كان الكتاب ينفع لأخ أو أخت أصغر يتم الاحتفاظ به لكن إذا لم يحتاجوه نحاول توصيله لأسرة أخري.
تضيف أميرة صلاح ان فكرة تبادل الكتب والملابس والمستلزمات مبادرة جيدة ومطلوب تنفيذها خاصة فى ظل ارتفاع نفقات التعليم وزيادة مصروفات المدارس والتى تتجاوز ميزانية الأسرة المصرية وجميعنا يقوم بعملية التبادل فيما بين الأشقاء والأقارب.
تشاركها صافى طنطاوى ان تبادل المنفعة بين الأسر فى المجالات التعليمية أمر إنسانى وضرورى تنفيذ المبادرة على أوسع نطاق.
مى مجدى ترى انها سعيدة جداً بتلك المبادرات لأنها توفر المستلزمات الدراسية بشكل أفضل وأسعار أقل كما انه على كل أسرة ترشيد استهلاكها لمواجهة التحديات الصعبة فى ظل ارتفاع نفقات التعليم ولابد من توعية الأسر بثقافة الترشيد وإعادة تدوير المتطلبات المتوفرة فى كل منزل.
تلتقط ولاء عبدالله طرف الحديث مؤكدة ان ثقافة الترشيد فى هذا الزمن أمر حتمى وضرورى خاصة فى ظل ارتفاع الأسعار كما انه لابد من توعية الأبناء بضرورة استخدام الأدوات المدرسية من السنة الماضية وعدم الركض خلف المظاهر والتنافس مع أصدقائهم فى شراء المتطلبات دون النظر لماركات أو مظاهر تجميلية.
يذكر محمد على ترزى من أكتوبر ان توجه الأسر لترشيد الانفاق والاستهلاك فى كل الجوانب وفى الملابس تتوجه الأسر لإعادة تغيير حجم الملابس لابنائها وتقوم بدفع 60 لـ 80 جنيه افضل من شراء تيشرت مثلا بـ600 لـ500 جنيه.
على الجانب الآخر خبراء التعليم يوجهون نصيحة بضرورة التأكد من عدم تغيير مناهج المراحل الدراسية حتى لا يشتت الأبناء هذا ما أشارت إليه حنان عباس معلم أو لبادارة مصر الجديدة التعليمية قائلة: الأهم التأكد من صلاحية الكتاب كما تظل مسألة صلاحية الكتاب ومطابقته للمناهج الحالية هى العامل الأهم عند تبادل الكتب. وعلى ولى الأمر التأكد من أن الكتاب المتداول يتوافق مع المنهج المقرر للعام الدراسى الحالى خاصة فى المواد التى قد تشهد تعديلات فى المحتوي.
كما ينصح بالتأكد من حالة الكتاب وعدم الاعتماد على نسخة قديمة لمجرد انخفاض سعرها أو الحصول عليه بدون مقابل لأن الهدف الأساسى من المبادرة هو تخفيف النفقات مع تحقيق استفادة للطالب.. وقد تبدو الفكرة بسيطة، لكن خلفها رسالة أوسع ليس كل ما انتهت حاجتنا إليه أصبح بلا قيمة، فقد يكون ما لا نحتاجه اليوم هو ما تبحث عنه أسرة أخرى غدًا.
تذكر دكتورة هدى الملاح خبيرة دراسات الجدوى الاقتصادية ومدير عام المركز الدولى للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوي، تتضاعف المسئوليات المالية على كاهل العائلات بشكل ملحوظ مع كل موسم دراسى جديد، بدءًا من المصروفات والزى المدرسى وصولاً إلى المستلزمات المكتبية والكتب الخارجية. وفى ظل هذه الأعباء أصبحت إعادة ترتيب الأولويات وحسن إدارة الموارد ضرورة ملحة مما دفع العديد من أولياء الأمور نحو ترشيد الانفاق وتبادل المنفعة التضامنية لتخفيف حدة الفاتورة السنوية.. وأبرز صور ترشيد الانفاق وتبادل المنفعة جروبات التبادل الرقمية حيث إنشاء مجموعات عبر منصات التواصل تجمع العائلات لتبادل الكتب والملابس والأدوات المكتبية مجانًا أو بأسعار رمزية. والانخراط فى عمل قائم على المنفعة العامة لتسهيل الحصول على المستلزمات بين المعارف والجيران.
مشيرة إلى أن تحديد الأولويات والتمييز بين المتطلبات الأساسية والكماليات والاستفادة من أدوات العام الماضى الصالحة قبل شراء الجديد من ابرز عوامل النجاح فى ترشيد الانفاق، علاوة على البحث والتسوق الذكى ومقارنة الأسعار والشراء من مكتبات الجملة لتوفير فارق التكلفة.
لابد من وضع ضوابط يجب مراعاتها عند التبادل حيث التأكد من توافق الكتب الخارجية المتداولة مع منهج العام الدراسى الحالى تفاديًا لتشتت الطالب.
التأكد من صلاحية الأدوات والزى المدرسى من خلال فحص الكتب والملابس للتأكد من أنها بحالة جيدة تسمح ببدء عام دراسى ناضج ومستقر.
تثبت هذه المبادرات قدرة المجتمع على ابتكار ممارسات استهلاكية رشيدة تعزز روح التعاون وتضمن استمرار العملية التعليمية بكفاءة دون إرهاق ميزانية الأسرة.
يرى الدكتور إبراهيم شوقى خبير تنمية الموارد البشرية أن ما نشهده اليوم من لجوء الأسر لتبادل الكتب والأدوات المدرسية والملابس هو حيلة توافقية واقتصادية ذكية للتعايش مع الضغوط المالية الخارجية، وهو سلوك إيجابى لا يُعاب عليه. الاتجاه نحو شراء المستلزمات أو الأجهزة المستعملة بحالة جيدة كما هو شائع الآن عبر المنصات التجارية ومعارض الكتب يُعد خطوة ممتازة نحو ترشيد الاستهلاك واستغلال الموارد المتاحة بشكل واعي.»
أما عن ثقافة التوعية بالترشيد ودور القدوة داخل الأسرة فالتوعية الحقيقية لا تبدأ بالنصائح الشفهية بل بأن نكون نموذجاً عملياً أمام أبنائنا .
ويوضح شوقى فى التعامل مع منافسة الأبناء لا يجب مقارنتهم بغيرهم فعلى الوالدين غرس ثقافة الاستقلالية لدى الأبناء وتفهيمهم أن كل أسرة لها ظروفها وأولوياتها. دور الأب هو حماية أبنائه وتربيتهم وفقاً لرؤيته وميزانيته المستقلة، بعيداً عن النظر لما يمتلكه الآخرون. فالمسألة فى النهاية تخضع لميزانية وقيم وأولويات تختلف من بيت لآخر، وكل أسرة لها الحرية الكاملة فى إدارة شئونها بالطريقة التى تراها مناسبة.
يضيف الدكتور رجب جلال مدير المعهد القومى للتدريب الجمركى بالسويس ومحاضر بجامعة القاهرة ومدرب تنمية بشرية وإدارية إن توجه الأسر المصرية لترشيد الانفاق فى متطلبات الدراسة فى ظل ارتفاع مصروفات المدارس والأدوات المدرسية.
«الحاجة أم الاختراع» مقولة قديمة تبدو اليوم أكثر حضورًا فى حياة الأسرة المصرية التى تستعد مع بداية كل عام دراسى لمواجهة قائمة طويلة من الالتزامات والنفقات تبدأ بمصروفات المدارس ولا تنتهى عند شراء الزى المدرسى والكتب والأدوات والحقيبة المدرسية وغيرها من المتطلبات التى أصبحت تمثل عبئًا متزايدًا على ميزانية الأسرة.
ومع ارتفاع تكاليف المعيشة وتعدد الاحتياجات لم يعد ترشيد الانفاق خيارًا مؤقتًا بل أصبح ثقافةً وأسلوبًا ضروريًا لإدارة ميزانية الأسرة، خاصة مع تزامن الاستعداد للعام الدراسى مع التزامات مالية أخري. ومن هنا تبدأ الأسرة الواعية فى البحث عن الاحتياجات الفعلية والتمييز بين ما هو ضرورى وما يمكن تأجيله أو الاستغناء عنه بدلاً من الانسياق وراء الرغبة فى شراء كل جديد.
من أهم الإستراتيجيات التى يمكن أن تتبناها الأسر إعادة استخدام الأدوات المدرسية من العام السابق فالحقيبة التى ما زالت بحالة جيدة والمقلمة والأدوات الهندسية وعلب الألوان وبعض الأدوات المكتبية وغيرها لا تفقد قيمتها لمجرد مرور عام دراسي. وقد يحتاج الأمر فقط إلى تنظيفها أو إصلاحها لتصبح صالحة للاستخدام مرة أخري. كذلك يمكن الاحتفاظ ببعض الكتب والمراجع التى لا تتغير محتوياتها بصورة جوهرية والاستفادة منها فى الأعوام التالية وفقًا لطبيعة الدراسة.
لا تقتصر فكرة إعادة الاستخدام على أفراد الأسرة الواحدة إذ يمكن أن تتحول إلى صورة من صور التكافل الاجتماعي. فما لم يعد مناسبًا لأحد الأبناء قد يكون ذا قيمة كبيرة لطفل آخر ويمكن للأسرة أن تجمع الأدوات والملابس والكتب التى لم تعد تحتاج إليها بشرط أن تكون صالحة للاستخدام، ثم تقدمها إلى أقارب أو جيران أو أسر أخرى غير قادرة على تحمل كامل تكاليف الدراسة. وبهذا تتحول ثقافة «إعادة الاستخدام» من وسيلة لتوفير المال إلى «ممارسة إنسانية» تعزز روح التعاون والمسئولية المجتمعية.









