ذهب صديقى أحمد لبيب إلى مستشفى حكومى بمنطقة المعادى بالقاهرة، بعد حادث تعرض له، بحثا عن جلسات العلاج الطبيعى التى يحتاج إليها لاستكمال علاجه. كان يعتقد أن دخوله المستشفى يعنى أن مشكلته أصبحت فى طريقها إلى الحل، لكنه لم يجد طبيب علاج طبيعى، وانتظر نحو ثلاث ساعات، قبل أن يحصل فى النهاية على كارت متابعة بموعد بعد أسبوعين.
وفى مستشفى الشاطبى، عاشت أم حسن تجربة مختلفة فى التفاصيل، لكنها متشابهة فى النتيجة. انتظرت نحو ساعة للحصول على العلاج، بينما كانت الصيدلية مزدحمة، وكان عدد الأطباء فى الفترة المسائية قليلا.
المشهدان يبدوان للوهلة الأولى مجرد مشكلتين فى الحصول على الخدمة، لكنهما يطرحان سؤالا أكبر بكثير، يتعلق بأزمة تكليف خريجى العلاج الطبيعى والصيدلة:
إذا كانت وزارة الصحة تحدد أعداد التكليف وفقا للاحتياج، فكيف يبدو هذا الاحتياج على أرض الواقع؟
هذه هى النقطة التى يجب أن تبدأ منها مناقشة القرار، بعيدا عن الانفعال من جانب الخريجين أو الدفاع عن القرار لمجرد أنه صادر عن الوزارة.
فالوزارة لديها قواعد معلنة للتكليف، تقوم على أن تكليف الصيادلة والعلاج الطبيعى يكون وفقا للاحتياج، وأن تحديد الأعداد يرتبط بالجهات التى تحتاج إلى هذه التخصصات. وهذا المبدأ فى حد ذاته مفهوم؛ فلا يمكن لأى دولة أن تكلف أعدادا تفوق احتياجات منشآتها الصحية.
لكن المشكلة ليست فى المبدأ، وإنما فى طريقة حساب الاحتياج.
هل الاحتياج الذى اعتمدت عليه الوزارة فى تحديد أعداد التكليف يعكس فعلا ما يحدث داخل المستشفيات والمراكز الطبية؟ وهل تم تحديث البيانات قبل اتخاذ القرار؟ وهل تم حساب عدد المرضى، وساعات التشغيل، والفترات المسائية، والتوزيع الجغرافى، أم أن الحساب يعتمد أساسا على عدد العاملين المسجلين فى كل منشأة؟
فى العلاج الطبيعى تحديدا، تقول بيانات وزارة الصحة إن الخدمة أصبحت جزءا من منظومة الرعاية فى عدد كبير من المستشفيات ووحدات الرعاية الأولية، مع وجود أقسام للعلاج الطبيعى وخطط للتوسع فيها.
وهنا تظهر مفارقة تستحق البحث.
إذا كانت الخدمة منتشرة بهذا الحجم، فهل توجد فى كل هذه الأقسام أعداد كافية من أطباء العلاج الطبيعي؟
قصة عم أحمد لا تثبت وحدها وجود عجز على مستوى الجمهورية، لكنها تكشف أن وجود الخدمة فى هيكل الوزارة لا يعنى بالضرورة أن المواطن يحصل عليها فى الوقت المناسب.
وهذا هو الفارق بين وجود القسم وكفاية القوة البشرية التى تشغله.
الأمر نفسه ينطبق على الصيدلة.
قد يكون لدى مستشفى عدد يبدو كبيرا من الصيادلة على الورق، لكن ذلك لا يعنى أن العدد كاف فى كل ساعات العمل، أو أن مستشفى آخر لا يعانى نقصا. كما أن الزحام داخل الصيدليات، مثلما حدث مع أم حسن، يطرح سؤالا عن مدى ارتباط حساب الاحتياج بعدد المرضى وساعات التشغيل الفعلية.
وهنا يجب أن تدخل الوزارة فى تفاصيل أكثر دقة: كم صيدليا تحتاج كل مستشفي؟ وكم يعمل بها حاليا؟ وهل هناك عجز فى الفترة المسائية؟ وكم عدد المنشآت التى تحتاج إلى دعم إضافي؟
.









