أن الدعوة إلى إعادة النظر فى السياسة الجنائية الخاصة بالأحداث لم تأتِ من فراغ، وإنما فرضتها متغيرات واقعية وتشريعية، فى مقدمتها تزايد الجرائم الجسيمة التى يرتكبها بعض الأحداث، ولا سيما جرائم القتل العمد والاغتصاب والقتل المقترن بالاعتداء الجنسى، وهى جرائم أحدثت صدمة مجتمعية وأثارت تساؤلات حول مدى كفاية المنظومة القانونية الحالية فى تحقيق الردع والعدالة. وتؤكد الوقائع المتكررة، وآخرها القضية التى هزت الرأى العام والمتعلقة بالطفلة أسيل، أن الأمر لم يعد مجرد حالات فردية، وإنما يستوجب إعادة تقييم السياسة التشريعية بما يحقق التوازن بين فلسفة إصلاح الحدث وتأهيله، وحق المجتمع فى الأمن، وحقوق الضحايا وذويهم فى العدالة. ولا يعنى ذلك أن قانون الطفل المصرى يعفى الحدث من المسئولية الجنائية، وإنما يقرر نظامًا خاصًا يقوم على الإصلاح والتأهيل، انطلاقًا من عدم اكتمال نضجه العقلى والنفسى. إلا أن التساؤل المشروع يتمثل فى مدى ملاءمة هذا النظام عند ارتكاب جرائم بالغة الخطورة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تدخل تشريعى يحقق التوازن بين حماية الطفل وحماية المجتمع. وأقترح إعادة النظر فى الأحكام المنظمة لمسئولية الحدث فى الجرائم المعاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد أو السجن المشدد، من خلال استحداث نظام قانونى خاص بالجرائم الأشد جسامة. ويقوم المقترح على إيداع الحدث، حال ارتكابه جناية بالغة الخطورة، بإحدى مؤسسات الإصلاح والتأهيل المخصصة للأحداث طوال مدة حداثته، مع استمرار برامج الإصلاح والتأهيل، ثم عند بلوغه السن القانونية التى يحددها المشرع تستكمل فى مواجهته العقوبة المقضى بها، وفق ضوابط وإجراءات قضائية محددة، وبما يكفل ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع. نص مقترح للتعديل: «استثناءً من الأحكام المقررة فى هذا القانون، إذا ارتكب الحدث جناية معاقبًا عليها بالإعدام أو السجن المؤبد أو السجن المشدد، يودع بإحدى مؤسسات الإصلاح والتأهيل المخصصة للأحداث حتى بلوغه السن القانونية التى يحددها القانون، ثم تستكمل فى مواجهته العقوبة المقضى بها، وذلك وفقًا للضوابط والإجراءات التى ينظمها القانون، وبما لا يخل بالضمانات الدستورية وحقوق الدفاع». هل يعنى ذلك معاقبة المتهم مرتين عن الفعل ذاته؟ قد يُثار اعتراض مؤداه أن المقترح يتعارض مع مبدأ عدم جواز معاقبة الشخص عن الفعل الواحد مرتين. والحقيقة أن المقترح، فى صيغته المقترحة، لا يستهدف توقيع عقوبتين مستقلتين عن الجريمة ذاتها، وإنما ينظم كيفية تنفيذ العقوبة المقضى بها على نحو يتناسب مع السن وقت ارتكاب الجريمة، ثم مع بلوغ السن التى يحددها المشرع. فالمدة التى يقضيها الحدث فى مؤسسة الإصلاح والتأهيل لا تمثل عقوبة جديدة عن الجريمة، وإنما هى جزء من النظام القانونى المقرر لمعاملته وتأهيله، بينما استكمال العقوبة بعد بلوغه السن القانونية لا يمثل محاكمة جديدة ولا عقوبة ثانية، وإنما استمرار لتنفيذ الحكم الصادر عن الواقعة ذاتها. ومع ذلك، فإن الصياغة النهائية للتعديل يجب أن تكون دقيقة بما يحول دون أى تفسير يؤدى إلى ازدواج العقوبة أو الإخلال بمبدأ عدم جواز العقاب مرتين عن الفعل ذاته.









