إذا وصفك احدهم مثلا بأنك « طبال » ورددت عليه بمنتهى القوة والثقة والصدق نعم أنا طبال لما اعتقد أنه حق وأفتخر، وطالما الحق عندى هو باطل عندكم فلا مجال للمناقشة وخرجت لتعلن عن تأسيس « حزب الطبالون للحق »، إذن أنا طبال وافتخر ، واذا وصفك احدهم بأنك ثعلب ماكر مثلا ورددت عليه بقولك أنا ثعلب وأفتخر وبدأت فى صناعة هوية وبراند مستوحى من فكرة انك ثعلب وأسست «حزب الثعالب الماكرة »، هنا نجحت فى تحويل ما يظنه البعض اهانة إلى علامة سياسية على غرار العلامة التجارية
>>>
نفس الفكرة حدثت على صعيد مختلف فى بلاد الهند فلم يكن يتخيل رئيس المحكمة العليا فى الهند أن كلمة عابرة يمكن أن تتحول إلى كرة ثلج سياسية تتدحرج بسرعة، وأن وصفًا قاسيًا لبعض الشباب بـ«الصراصير» يمكن أن يمنح هؤلاء الشباب اسمًا وراية وهوية، وأن تتحول الإهانة فى زمن السوشيال ميديا من أداة للاحتقار إلى وقود للاحتجاج. إنها قصة «حزب شعب الصراصير» التى بدأت فى مايو الماضى وتستحق أن نتوقف أمامها طويلاً؛ لأنها ليست قصة هندية خالصة، وإنما درس جديد فى صناعة المزاج العام فى عصر الخوارزميات.
>>>
بدأت الحكاية عندما أثار تعليق لرئيس المحكمة العليا الهندية، صوريا كانط غضب قطاعات من الشباب بعد وصفه لبعض العاطلين والناشطين على الإنترنت بالصراصير ، هنا ظهر الشاب الذى يدرس ويقيم فى الولايات المتحدة أبهيجيت ديبكى، والتقط الإهانة وحولها إلى براند وهوية بدلًا من الهروب منها، وطرح سؤالًا ساخرًا: وماذا لو اجتمعت الصراصير معًا؟ ومن رحم هذا السؤال خرج اسم «حزب شعب الصراصير».
>>>
كانت الفكرة شديدة الذكاء؛ فإذا وصفنى خصمى بالصرصار، ثم خرجت لأنفى عن نفسى هذه الصفة، فقد أبقى أسيرًا لإهانته، أما إذا استوليت على الكلمة نفسها وحولتها إلى شعار أرفعه بفخر، فقد نزعت منه سلاحه وحولته إلى سلاحي. وهكذا أصبح الصرصار رمزًا، وظهرت الأقنعة والقمصان واللافتات، وبدأت السوشيال ميديا تفعل ما تجيده: التكاثر السريع للغضب.
>>>
وفى السادس من يونيو خرجت «الصراصير» من الهواتف إلى شوارع نيودلهى، وظهر المحتجون فى منطقة جانتار مانتار يحملون شعاراتهم وأقنعتهم، لكن خلف المشهد الساخر كانت هناك مطالب حقيقية تتعلق بالبطالة، وتسريب الامتحانات، وأزمة التعليم ومستقبل الشباب. وهنا حدث التحول الأخطر: الميم أصبح قضية، والهاشتاج تحول إلى مظاهرة، والمتابع أصبح مشاركًا.
>>>
ثم انتقلت الحركة إلى مرحلة أكثر ذكاءً بإطلاق حملة «أصلحوا مدارسنا»، حيث بدأ المتطوعون فى زيارة المدارس الحكومية وتصوير مشكلات الفصول ودورات المياه والكهرباء والمقاعد والوجبات، ونشرها على السوشيال ميديا. وبذلك تحول الهاتف المحمول من أداة للفرجة إلى كاميرا رقابة شعبية، وبدأ الصدام مع السلطات، وظهرت القيود والبلاغات والتحقيقات.
>>>
هذه القصة ليست دعوة للاحتفاء بحزب الصراصير، ولا حكمًا بصحة كل ما يقوله أو يفعله، وإنما دعوة لفهم التحولات الهائلة التى طرأت على المجال العام. فالحركات القديمة كانت تحتاج إلى زعيم ومقر وتنظيم وتمويل وأعضاء، أما اليوم فقد تبدأ الحركة بثلاثة أشياء فقط: غضب ورمز وخوارزمية.
>>>
الغضب يصنع الطاقة، والرمز يمنحها شكلًا، والخوارزمية تتولى الانتشار
وهنا يكمن الدرس؛ فلا تحتقر غضبًا صغيرًا، ولا تسخر من هاشتاج، ولا تمنح جمهورًا غاضبًا إهانة يمكنه تحويلها إلى هوية. فربما يكون أخطر ما تفعله مؤسسة أو مسئول فى زمن السوشيال ميديا أن يمنح خصومه، دون أن يدرى، اسمًا يجمعهم ورمزًا يوحدهم.
>>>
لقد أرادوا وصفهم بالصراصير احتقارًا، فإذا بالصراصير تجتمع وتتحول إلى حركة ، وفى عصر الخوارزميات، ربما تكون الكلمة غير المحسوبة أخطر كثيرًا من القرار غير المحسوب.









