لم يعد الإعلام المصرى أمام تحديات تقليدية يمكن التعامل معها بأدوات الماضى، بل أصبح فى مواجهة تحول هائل فى صناعة الخبر وتشكيل الرأى العام. فالسوشيال ميديا فرضت نفسها لاعبًا رئيسيًا، وصعد المؤثرون، وتراجعت معدلات القراءة، وتعرضت الصحافة الورقية لأزمات متلاحقة، بينما جاء الذكاء الاصطناعى ليضيف تحديًا أكثر خطورة.
المشكلة لم تعد فى الحصول على المعلومة، وإنما فى من يملك المعلومة، ومن يصنع الرواية، ومن ينجح فى الوصول إلى المواطن أولاً.
هناك فجوة واضحة بين حجم ما يتحقق على الأرض وبين وصول الصورة الكاملة إلى المواطن. وهنا تكمن إحدى أهم مسئوليات الإعلام: ليس المطلوب أن يتحول إلى منصة للدعاية، وإنما أن يشرح للمواطن ماذا يحدث، ولماذا يحدث، وما تأثيره على حياته، وما الذى تحقق وما الذى لم يتحقق بعد.
فى المقابل، تستغل منصات معادية بعض الأزمات والمشكلات الحقيقية لتضخيمها وإعادة تدويرها وصناعة حالة مستمرة من الإحباط وفقدان الثقة. ومواجهة ذلك لا تكون بإنكار المشكلات أو تجاهلها، وإنما بإعلام مهنى سريع، يمتلك المعلومات، ويكشف التضليل، ويقدم الحقيقة.
لقد انتهى زمن التعامل مع السوشيال ميديا باعتبارها مساحة للترفيه. هى اليوم ساحة رئيسية لتشكيل الوعى. والمؤثرون أصبحوا جزءًا من المشهد الإعلامى، سواء اعترفنا بذلك أم لا. ولذلك يجب ألا تكون المواجهة بمحاولة إقصائهم، وإنما بوضع إطار مهنى واضح.
ويبقى الذكاء الاصطناعى هو التحدى الأخطر. نحن أمام قدرة غير مسبوقة على إنتاج محتوى مزيف، وتقليد الأصوات، وتركيب الفيديوهات، وتحريف الصور، وصناعة شخصيات ومواقف لم تحدث أصلاً. ولذلك لم يعد مقبولًا أن نتعامل مع أى صورة أو فيديو باعتباره دليلاً على الحقيقة.
نحتاج بصورة عاجلة إلى وحدات متخصصة للتحقق الرقمى والذكاء الاصطناعى داخل المؤسسات الإعلامية الكبرى، تضم صحفيين وخبراء تكنولوجيا وبيانات، مهمتهم فحص المحتوى وتتبع مصادره.
كما نحتاج إلى إعادة بناء غرف الأخبار لتصبح متعددة المنصات، والاستثمار فى الصحفى الشاب وتدريبه على الذكاء الاصطناعى وتحليل البيانات والتحقق الرقمى، ودعم الصحافة فى تحولها الإلكترونى، وتطوير نماذج اقتصادية جديدة للصحافة الرقمية.
والأهم من ذلك هو سرعة إتاحة المعلومات. فالفراغ المعلوماتى هو البيئة المثالية لنمو الشائعة.
نحتاج أيضًا إلى إستراتيجية وطنية للإعلام الرقمى، وإلى مركز متخصص فى التحقق من الأخبار والمحتوى المزيف، وإلى تدريب المتحدثين الرسميين على التواصل السريع مع الجمهور، وإلى إتاحة البيانات والمعلومات بصورة أكثر سهولة أمام الصحفى والمواطن.
لكن فوق كل هذه الإجراءات تظل القضية الأهم هى استعادة الثقة.
المعركة الحقيقية ليست بين الإعلام التقليدى والسوشيال ميديا، وإنما بين الحقيقة والتضليل، وبين الوعى والفوضى، وبين إعلام يبنى وإعلام يهدم.
وفى معركة الوعى، لا يكفى أن نمتلك الحقيقة؛ يجب أن نمتلك إعلامًا قادرًا على إيصالها فى الوقت المناسب، وباللغة التى يفهمها المواطن، وبالمهنية التى تجعله يصدقها.
الإعلام القوى ليس رفاهية.. بل أحد أسلحة الدولة فى حماية وعيها وصناعة مستقبلها.









