أكاد أجزم أن مصر هى الدولة العربية الأكثر اهتمامًا بقضايا الأمة وأزماتها، والتحديات التى تواجه الأمن القومى العربى، ليس فقط تلك المرتبطة بشكل مباشر بأمنها القومى بحكم الجغرافيا، والجوار، ولكن هذا الاهتمام يمتد لكافة القضايا والأزمات العربية، ويشمل ليس فقط السودان وليبيا وفلسطين، بل لبنان واليمن والصومال، والتحديات التى تواجه الأمن فى دول الخليج الشقيقة والذى تعتبره مصر جزءًا من أمنها القومى هذا الاهتمام المكثف لم يأت صدفة، وفق عمل وجهود وتحركات ايجابية تسعى للحفاظ على هذه الدول الشقيقة، وأمنها واستقرارها ومقدراتها، ووحدة وسلامة أراضيها وتجسد جهود الرئيس عبدالفتاح السيسى هذه الحقيقة على أرض الواقع، وزياراته واستقباله للأشقاء من الدول العربية الشقيقة، وأيضا حرصه على أن يعبر عن قضايا ومطالب وأزمات الدول العربية فى المحافل واللقاءات الدولية.
الرئيس السيسى على مدار الأيام الماضية استقبل عبدالحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية فى ليبيا، والأربعاء الماضى استقبل المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطنى الليبى، وما بين الزيارتين أو اللقاءين هناك عنوان رئيسى هو الاهتمام الكبير من جانب القاهرة بإنهاء الأزمة الليبية والعمل على توحيد الصف الليبى وضرورة الحفاظ على وحدة الدولة الليبية وتوحيد مؤسساتها الوطنية وعقد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وتحقيق الاستقرار والازدهار فى ليبيا ولشعبها والحفاظ على مقدراتها وضمان وحدة وسلامة أراضيها وهو ما يؤكد موقف مصر الثابت الذى يستهدف الحفاظ على ليبيا من مخاطر ومخططات الانقسام والتقسيم ودعمها لأمن واستقرار الدولة الشقيقية التى تعد جزءًا من أمن مصر القومى فى الاتجاه الغربى وما بين مصر وليبيا، الكثير من القواسم المشتركة التى تعكس عمق وتاريخية العلاقات بين الشعبين الشقيقين.
استقبال الرئيس السيسى لرئيس حكومة الوحدة الوطنية فى ليبيا عبدالحميد الديبية قبل أيام ثم استقباله للمشير خليفة حفتر، يعكس رؤية مصرية أمينة وشريفة، ونجاح فى اقتراب تحقيق الهدف الذى تسعى إليه مصر، وهو توحيد الصف الليبى والدولة الليبية والحفاظ على وحدة وسلامة أراضيها وأيضا انطلاق ليبيا الجديدة نحو تحقيق آمال وتطلعات شعبها فى تحقيق وبسط الأمن والاستقرار والبناء والتنمية والازدهار، وأيضا العمل على منع التدخلات الخارجية، واجهاض مخططات التقسيم والأطماع فى ثروات ومقدرات ليبيا، لذلك تكثف مصر جهودها فى تقريب وجهات النظر وإيجاد إطار شامل لتوحيد المواقف، والصف والمؤسسات الليبية، والاتفاق على مبادىء حاكمة، خاصة إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وأن تغادر ليبيا خانة الانقسام، وأن يكون هناك برلمان ورئيس وحكومة تتولى أمور ليبيا فى كافة ربوعها تحت راية واحدة، وبسياسات واحدة تعبر عن إرادة الليبيين، خاصة أن هذا الانقسام يمثل خطرًا داهمًا على ليبيا وحاضرها ومستقبلها فى ظل الأطماع والأوهام والمخططات التى تستهدفها بعد أن تعرضت لمؤامرة فى 2011 أسقطت الدولة الوطنية الليبية، لذلك فإن عودة ليبيا أفضل وأقوى هو هدف مصرى واضح يندرج تحت أسباب ومبررات صادقة وشريفة، أولها المصلحة الليبية العليا، ثانيها إضافة للاستقرار الإقليمى، وأيضا إنهاء الأزمة تشكل تحديًا للأمن القومى المصرى، خاصة أن ما بيننا وبين ليبيا 1200 كيلومتر حدودًا، لذلك وجود الدولة الليبية القوية التى تفرض سيطرتها على أرضها وحدودها، هو حماية وتخفيف الأعباء عن كاهل الدولة المصرية التى تسعى بإخلاص وشرف للحفاظ على ليبيا الشقيقة كدولة واحدة والحفاظ على وحدة وسلامة أراضيها.
فى الاتجاه الشرقى، الشقيقة فلسطين التى تحتضن مصر قضيتها التاريخية، وتقدم جل جهودها دفاعًا عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى الشقيق وتتصدى لمخطط الكيان الصهيونى بمحاولة تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، واستمرار الانتهاكات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين فى قطاع غزة والضفة والممارسات اللا إنسانية فى حق هذا الشعب الصامد، واعتبرت مصر التهجير وتصفية القضية الفلسطينية أحد أهم خطوطها الحمراء وتصدت لمخطط التهجير على مدار عامين بموقف حاسم وقاطع، وأكدت أنه لن يحدث وهو ما تحقق بالفعل، لكن مازال الكيان الصهيونى يتمسك بأوهامه وأعلن رفضه لخطة ترامب للسلام فى غزة، فى الوقت الذى نجحت فيه القاهرة من تجريد إسرائيل من أى مبررات أو ذرائع بعد نجاح مصر فى توحيد الصف الفلسطينى وحسم قضية «سلاح حماس» بتوافق وطنى، لذلك عزم على الكيان السرطانى تنفيذ بنود الاتفاق ولم يعد له خيار آخر.
الرئيس السيسى استقبل الأسبوع الماضى جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكى وبطبيعة الحال تناول اللقاء تطورات القضية الفلسطينية، وأكدت وشددت مصر على ضرورة قيام كافة الأطراف بتنفيذ التزاماتها بموجب اتفاق وقف الحرب فى قطاع غزة والذى وقع فى قمة شرم الشيخ للسلام فى أكتوبر 2025 وأكدت القاهرة على موقفها الثابت ورفضها للانتهاكات الإسرائيلية.. برسائل حاسمة للإدارة الأمريكية وتحذير من خطورة الممارسات الإسرائيلية التى تزيد من اضطرابات المنطقة، و لا تخدم الأمن والاستقرار الإقليمى ولابد من قيام الولايات المتحدة بدورها فى تنفيذ بنود اتفاق السلام بشرم الشيخ، تمهيدًا لإعمار غزة ورفع المعاناة عن الفلسطينيين وانسحاب إسرائيل خارج القطاع طبقًا لبنود الاتفاق.
مصر أيضا شددت أن تقسيم السودان خط أحمر، وموقفها الثابت والراسخ دعم الدولة الوطنية السودانية ومؤسساتها وجيشها الوطنى، والتأكيد على الحلول السياسية تبقى هى الخيار الأفضل الذى يوفر على الشعب السودانى الكثير من التضحيات والمعاناة ولم يقتصر دعم مصر على الدعم السياسى والدبلوماسى واللوجيستى بل أيضا فتحت أبوابها للأشقاء السودانيين الفارين من ويلات العمليات العسكرية والذين يتعرضون لانتهاكات صارخة من ميليشيا الدعم السريع المتمردة.. لذلك لن ينسى الشعب السودانى موقف مصر التاريخى خلال محنة السودان التى كادت أن تعصف بالدولة الشقيقة، وبفضل دعم مصر وموقفها، تتحرك الأمور فى السودان للأفضل ويعود الأشقاء إلى وطنهم بعد استرداد الجيش الوطنى السودانى للمدن والعاصمة الخرطوم، وانتقال السلطات والمؤسسات إلى العاصمة، إضافة إلى ذلك فالموقف على الأرض أفضل للجيش الوطنى السودانى يحقق انتصارات ونجاحات ويتحرك بثبات نحو استعادة كامل السودان لفرض السيطرة والسيادة الوطنية، وأيضا ما بين مصر والسودان تاريخ وثقافة وقواسم مشتركة وارتباط وجودى للأمن فى البلدين الشقيقين أبناء النيل، وحتى تتفرغ السودان الشقيق لمواجهة تحديات الداخل، وتهديدات الخارج، فالشعب السودانى يتطلع للإعمار والتنمية، والاستثمار فى ثروات ومقدرات البلاد لتحقيق آمال وتطلعات السودانيين ومصر أيضا الداعم الأول والرئيسى لاستقرار وازدهار السودان، لأن أمنها واستقرارها هو قوة إضافية لمصر، فطول الحدود فى ظل المعارك يحمل مصر عبئًا ثقيلاً فى حماية هذه المساحات التى تصل إلى أكثر من 1000 كيلومتر وهو ما يؤديه الجيش المصرى العظيم بكفاءة واقتدار، ولعل النجاح الكبير فى ضبط كميات هائلة من الأسلحة الثقيلة على الحدود الجنوبية، يستهدف إدخالها لمصر لتشكل تهديدًا خطيرًا لكن يقظة الجيش المصرى دائمًا بالمرصاد جل أهداف مصر، وجهود قيادتها المكثفة هو الحفاظ على الدول العربية الشقيقة وإنهاء أزماتها وترسيخ الأمن والاستقرار والازدهار فيها والحفاظ على وحدة وسلامة أراضيها، وتدعم بلا حدود ولا تنتظر شيئًا تتعامل بشرف وصدق ونوايا مخلصة، بحثًا عن الأمن والاستقرار الإقليمى ومصلحة هذه الدول وتجنبها ويلات الانقسام والاقتتال والمخططات وأيضا الحفاظ على ثرواتها ومواردها وحقوقها المشروعة.. إنها مصر العظيمة الشريفة التى تتصدى لمخططات ومؤامرات وتجهض الأوهام والأطماع لذلك هى حجرة العثرة والصخرة التى تتحطم عليها مؤامرات قوى الشر ومن هنا فإن الحرب عليها لا تتوقف.









