مجتمع فى خطر.. استقطاب حاد، وتشويه بلا سقف، وتشف وشماتة فى مرض أو موت من يخالفهم الرأي، وهجوم وتطاول على الكبار بهدف كسر الهيبة وضرب المصداقية، وخطط لهدم قيم وأصول كانت راسخة. اختفى الحياء وأصبح عملة نادرة. لعن الله السوشيال ميديا التى أتاحت للسفلة والأوغاد استخدامها.
نحن لا نسمع بعضنا بعضًا، مفترضين حسن النوايا فيما يُعرض أو يُقال. والغريب أن تغييرًا هائلًا شهده مجتمعنا، الذى كان يوصف بأنه طيب ومتسامح ومتدين، ويحافظ على التقاليد والأصول والثوابت. الهجوم على الآخرين، كل الآخرين، دون تمييز، حتى قبل أن يكملوا جملة يطرحون من خلالها فكرة. بيد أن أسافل القوم قد نجحوا فى تعكير صفو مجتمعاتنا ببث الشائعات على وسائط دينية. إنها آفة مجتمعاتنا والسبب الرئيسى فى ضياع كل الفرص المواتية أمامنا للانطلاق وصناعة التقدم.
الأنانية اللعينة، والنظرة الجزئية للأشياء التى تستبعد الصورة الكلية وتنحيها جانبًا؛ فالنظر تحت أقدامنا وعدم القدرة على قراءة المستقبل هما النتيجة الحتمية للانغلاق والجمود. فنحن لا نسمع بعضنا بعضًا؛ لأننا لا نجلس معًا إلا بتوجيهات وأطر وظيفية محددة، يغلب عليها الطابع الشكلي. وإذا جلسنا، انهمك كل منا فى رؤيته، وحصر نفسه فى زاوية ضيقة، ومن الصعب أن يرى باقى الزوايا لباقى الشركاء فى نفس الملف وذات المشكلة.
جميعنا نعرف أن هناك فيلًا ضخمًا، وكل منا لا يرى بعينه إلا جزءًا من هذا الفيل. فالجميع يعرف الفيل، لكن القليل هو من يرى الفيل كاملًا.
فالصحافة والإعلام والصناعات المرتبطة بتشكيل وجدان الناس تحظى باهتمام شديد واستثنائى من الدولة خلال السنوات الماضية، وبالطبع فالأسباب معروفة، ومن نافلة القول التحدث عنها مجددًا. لكن السؤال هو: هل نرى جميعًا الإعلام بالطريقة نفسها ومن زاوية الرؤية نفسها؟
أولا، السيد الرئيس يرى الإعلام بمنظوره الإصلاحى والقيمى والأخلاقى الشامل. الرئيس يريد إعلامًا يتميز بالوعى والصدق والجاذبية والتأثير والانتشار. ويرى سيادته أن الإعلام من أهم الأدوات التى يمكن أن تساهم فى بناء الشخصية المصرية، وإعادة دور القوة الناعمة للدولة المصرية. ولذلك نجده يطالب الإعلام دومًا بالانتباه، وبالوعي، والاستعداد بالأدوات.
ثانيًا، الحكومة ترى الإعلام من زوايا أخرى تمامًا، حيث إن الحكومة تريد إعلامًا يشيد بأدائها طوال الوقت وفى كل الظروف. والحكومات المصرية المتعاقبة لا تقبل النقد الحقيقى الجاد، حتى ولو كان بنّاءً. فالوزراء لا يحبون من يسير عكس اتجاه أفكارهم وقراراتهم. والكثيرون يرون أن الإعلام والصحافة هما أداتان فى يد الحكومة تستخدمهما وقتما وكيفما تشاء، وهذا غير صحيح جملة وتفصيلًا.
ثالثًا، المجتمع يرى الإعلام شغالًا عند الحكومة ويسبّح بحمدها، إلا القليل. وهذا الانطباع لم يكن وليد الصدفة أو المرحلة، وإنما أمر متوارث من أجيال سابقة.
رابعًا، الإخوان يرون أن الإعلام المصرى سلاح ضخم فى يد الدولة المصرية، تؤدب به معارضيها ومنتقديها.
خامسًا، رجال الأعمال يرون أن الإعلام يجب أن يكون متحدثًا باسم القطاع الخاص، ومهاجمًا للحكومة وقراراتها وملكيتها العامة.
هذه الرؤى والزوايا المتباينة تجعل من نجاح مهمة الإعلام أمرًا شديد الصعوبة.
لذلك، فإن محاولات رسم خريطة طريق دون توحيد الرؤى أولًا ستكون كمن انتهى إلى صب الزيت القديم فى قنانٍ جديدة. نريد أولًا تحرير المفاهيم المعقمة والمحنطة، واستبدالها بأخرى جديدة وعصرية تعكس واقعنا المعاصر. نريد الاتفاق على ضرورة استقلالية الإعلام عن الحكومة، فلن أستطيع ممارسة حريتى المهنية فى ظل قيود حكومية معروفة.
نريد أن يسمع كل منا الآخر، وألا يحجر على صوته طالما كان هذا الصوت على أرضية الثوابت الوطنية المعروفة. نريد فك القيود عن الوثائق، وتحرير المعلومات والبيانات من عقالها الوهمي. نريد أن يكون هناك صدر يتسع للنقد، ووعى يستوعب التنوع، وتنوع يليق بالمجتمع.
نريد أن تدور عجلة التطور والتقدم دون ضجيج، لكن علينا أن نبدأ بأول الحكاية وأبسطها، وهو أن نسمع بعضنا بعضًا أولاً.









