ساعات قليلة تفصلنا عن موعد الاحتفال بمولد سيد الخلق، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، تلك الذكرى العطرة التي تتجدد في الثاني عشر من شهر ربيع الأول من كل عام، الذى يمثل أعظم إطلالة للرحمة الإلهية الشاملة للخلق أجمعين فهو الرحمة المهداة والنعمة المسداة التي أُهديت للعالمين، رحمة اتسعت لتضم كل البشر دون استثناء، القريب والبعيد.. العدو والصديق.. المحسن والمسيء..
ومن باب فذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ، اذكر نفسي وإياكم بهذه الذكرى العطرة حيث يبقى يوم مولده صلى الله عليه وسلم هو الأحق بالاهتمام والاحتفاء والتدبر، ولنستحضر القيمة الكبرى لهذا الحدث التاريخي والروحي لجميع المسلمين فبمولده انتقلت البشرية من ظلمات الجهل والشرك إلى نور التوحيد.
ولعل الاحتفال بمولد المصطفى من أفضل الأعمال وأعظم القربات إلى الله عز وجل إذ أنها تُجسد مشاعر الحب والفرح بالنبي الكريم، وهو ركن أساسي من أصول الإيمان الكامل، مصداقاً لقول الرسول في حديثه الشريف: «لا يُؤمِنُ أَحَدُكم حتى أَكُونَ أَحَبَّ إليه مِن والِدِه ووَلَدِه والنَّاسِ أَجمَعِينَ»، ومظاهر الاحتفال متعددة منها على سبيل المثال لا الحصر قراءة القرآن والصلاة على النبي وإطعام الطعام وإخراج الصدقات والصوم اقتداءً بالنبي الذي سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ» وغيره وغيره.
ولا ننسى شراء الحلوى وإدخال السرور على الأهل والأقارب فقد كان الرسول حريصا على إدخال السرور على أهل بيته ويصل أرحامه ويود جيرانه وهو أمر مستحب شرعا فما بالكم إذا كان ذلك تعبيرًا عن الفرح بمولد المصطفى فالأصل في المسلم إذا أنعم الله عليه بنعمةٍ ورحمة أن يفرح بها، وأي نعمة ورحمة أفضل من مولد سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي ظل ما يشهده العالم اليوم من محن متلاحقة، من أزمات إقليمية، وحروب، وأوبئة، وغلاء معيشي يأكل الأخضر واليابس، تتضاعف حاجة البشرية إلى العودة الصادقة لسيرة النبي عليه الصلاة والسلام، إذ أن المطلوب اليوم هو قراءتها قراءة معاصرة وحضارية تجسد قيم الرحمة، والإنسانية، وعمارة الأرض بالعمل والاجتهاد، والعيش في سلام بعيدا عن الحروب والصراعات التي يدفع ثمنها العالم كله.
ولعل العيش في سلام يحتاج إلى اتباع هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم في نشر المحبة، والرحمة، والعدل بين الناس، فقد جعل الإسلام والسنّة النبوية السلام أساساً للعلاقات الإنسانية، وعمادا لتحقيق الأمان والطمأنينة في المجتمع، ومبادئ السلام في السنة النبوية كثيرة ومظاهرها بسيطة وعديدة من بينها العفو والتسامح وحفظ حقوق الجار بالإحسان إليه ونشر العدل والمساواة في معاملة جميع البشر باحترام دون تمييز أو تعصب وغيرها وغيرها من الأصول التي تضمن لك حياة آمنة مستقرة وكريمة.
كما يعد المولد النبوي الشريف فرصة تربوية ذهبية لتصحيح سلوكيات الأطفال، بربطهم بالقدوة الحسنة والأخلاق المحمدية لنغرس في نفوسهم السيرة العطرة ونوضح كيف كان حلمه، وصدقه، ورحمته بالجميع.. فعلينا تحويل المناسبة من مجرد مظاهر احتفالية إلى تطبيق عملي لقيم النبي لنبني جيلاً واعياً ومترابطاً، يواجه التحديات المعاصرة بأخلاق فاضلة وسلوكيات راقية تعكس جوهر ديننا الحنيف وتنقذهم من براثن الانترنت و”السوشيال ميديا”.
حفظ الله مصر آمنة مستقرة، واحة للأمن والأمان بوعي شعبها يحميها جيشها وشرطتها ويصونها حكمة قيادتها.. كل عام وأنتم بخير وصحة وسعادة واستقرار وسلام.









