مللتُ من الحديث عن أهمية الإعلام، الذى يجب أن يكون جزءًا أصيلًا من معادلة صناعة القرار. مللتُ من الكتابة عن بناء السرديات الوطنية بحرفية، ودون تأخير أو استعجال. مللتُ من النظر إلى الإعلام بسطحية، على أنه خبر يُنشر وصورة تُرسم، بلا مضمون وبلا سياق يخدم السياق العام. مللتُ من التنمر الرقمى وصناعة الشائعات، المحمية بصمت أجهزة ومؤسسات الدولة عن محاسبة المخترقين للقانون.
أقف على مشارف الإحباط من عدم القدرة، على مواجهة فوضى السوشيال ميديا. المجتمع المصرى يحتاج صدمة إفاقة قانونية، حتى يتبين الخيط الأسود من الخيط الأبيض بالقانون.
ومن جانب آخر، أجد صمتًا عجيبًا مريبًا على كل ما يجري، ولا أحد يحاسب أحدًا. فمعظم الذين يُحاسَبون، يُحاسَبون على كلامهم الذى ربما يحمل مغالطات، أو يتسبب فى أزمات، أو حتى أصحاب الغيبة والنميمة، الذين يصنعون الفتن ويتخذون من أحاديث الإفك ما يؤهلهم لدخول جهنم الحياة الدنيا.
لكن لا أحد يحاسب الصامتين؛ الذين صمتوا عن قول الحقيقة فى لحظات فارقة تمثل فيها الحقيقة قارب نجاة للمجتمع، والذين صمتوا عن الدفاع عن أوطانهم مخافة هجوم المرتزقة والمأجورين، والذين صمتوا عن أداء رسالتهم مكتملة، بالحديث مع المواطنين بصدق، والذين يصمتون استعلاءً وتكبرًا وغرورًا، وينظرون إلى الناس على أنهم أشياء.
بيد أن حساب الصامتين أولى من مطاردة المتحدثين الثرثارين الذين يصنعون المشكلات؛ لأنه، ببساطة، ستُغلق أبواب الفتن على الثرثارين إذا اخترتَ من يستطيع بناء سردية متكاملة متماسكة.
لقد مللتُ الكتابة والقوالة، وأشعر بأننى أشرب من ماء البحر، وأرجو أن يتسع صدر السادة المسئولين – كل المسئولين – لتقبّل هذا الرأي، الذى أعتبره رأيًا عامًا وليس رأيًا آخر.
ورأيى يكمن فى سؤال بسيط جدًا: لماذا لا تعتبرون الإعلام جزءًا أصيلًا فى معادلة اتخاذ القرار وصناعته؟ ولماذا يتم تغييب عنصر الإعلام عن كل القرارات فى مراحل صناعتها المختلفة، وحتى لحظة إصدارها؟ حيث يكون المسئول حريصًا على السرية المطلقة لمشروعات قراراته، وخاصة عن أعين الإعلام والصحافة.
وبعد صدور تلك القرارات، يتلقفها المتربصون بالتشويه والتشكيك والطعن فى عرض الدولة ومسئوليها. وهنا يتذكر المسئول دور الإعلام فى الدفاع عن قرارات لا يعرف عنها أكثر من معرفة الإخوان المقيمين فى أوروبا! فيبدأ المسئول فى إصدار بيانات توضيحية لقراراته، يغلب عليها الطابع الإنشائى الخالى من المضمون، والذى يفتقر إلى المعلومة الدقيقة، وينطلق المتحدث الرسمي»المسكين» بالحديث المقتضب، المرتعش، المتردد أمام وسائل الإعلام.
الحديث يغلب عليه الطابع الدفاعى والتبريرى والتوضيحي، وكأنه تأدية واجب. وهنا تتعرض سردية الحكومة لهزيمة ساحقة ماحقة قبل أن يتم عرضها،
للأسباب الآتية:
1 – عدم المبادرة بطرح الأفكار الخاصة بالقرار، وأهميته، والدافع إلى إصداره، قبل إصداره.
2 – التأخر الشديد فى الرد والتوضيح فور إصدار القرارات، لمدة لا تقل عن 24 ساعة فى معظم القرارات ذات الأبعاد الجماهيرية، مثل قضية استيراد الغاز، على سبيل المثال.
3 – غياب المهارات الفنية لدى القائم بعملية الرد والتوضيح ممثلًا للجانب الرسمي؛ حيث نجد أن معظمهم تم اختيارهم من مجالات وقطاعات ليست لها علاقة بالإعلام، وتكون أسس الاختيار مبنية على اعتبارات عديدة، ليس من بينها موهبة الاتصال السياسى والإعلامي.
4 – ضعف الإيمان بفكرة العمل الجماعى والمسئولية التضامنية، وشيوع النزعات الفردية داخل مؤسسات الدولة.
5 – عدم الرغبة فى الظهور الإعلامى والإدلاء بتصريحات، خوفًا من لفت الانتباه، أو الخطأ، أو «النفسنة» كما يظن البعض، وإيمانًا بالفكرة المسمومة» الباب اللى يجيلك منه الريح، سده واستريح».
6 – يؤمن كثير من المسئولين بأن لا أحد يحاسب أحدًا على صمته، ولكن الحساب يكون على كلامه؛ ومن ثم فالصمت أفضل من الكلام!
7 – يظن البعض أن الظهور الإعلامى سيعرّض المسئول لمواجهة جحافل الإخوان، وسيتسلمونه بالنقد والتجريح، وهو لن يقوى على تحمل ذلك النقد الجارح.
هذه الأسباب وغيرها تجعلنا نخسر المعركة قبل أن تبدأ، وتضيع علينا فرصًا مهمة لإحراز أهداف مستحقة فى مرمى الخصم.
وأقول هنا، بمنتهى الأمانة والتجرد، إن دور الإعلام بات أهم وأخطر من أن يُنظر إليه بتلك النظرة الكلاسيكية الضيقة، التى تضعه فى منطقة نائية عن جغرافية الفكرة الأساسية.
الرئيس طالب مرارًا بإتاحة المعلومات الصحيحة للناس فى الوقت المناسب، وطالب الجميع بقوله «كلموا الناس»، وطالب الإعلام بالانتباه والتدقيق والتركيز فى كل ما يصدر للناس.









