50 عامًا مرت على إنتاج هذا العمل الكبير ولا تزال الملايين فى أنحاء العالم تتابعه بشغف كأنه يذاع لأول مرة وكل الدول التى منعت عرضه هى أكثر من تشاهده فى كل مناسبة دينية خاصة ان صانعه كان.. بعيد النظر وقدمه فى نسختين واحدة بالانجليزية بممثل عالمى «انتونى كوين» ونسخة بالعربية كان بطلها «عبدالله غيث».
المخرج الذى يحمل الجنسية الأمريكية رفض تمامًا عروض التمويل الأوروبية والأمريكية وقت أن انطلق بفكرته عام 1970 وقبلها كانت الميزانية المبدئية 10ملايين دولار ولكنها بحكم المشاكل التى تعرض لها الفيلم زادت عن هذا الرقم وكان مخرجه ومنتجه مصطفى العقاد واثقا ان الله سبحانه وتعالى لن يخذله فى هدفه النبيل بأن يقدم صورة الإسلام الحقيقى للعالم الغربى.. وكان دافعه الأول ان أولاده الذين يعيشون معه فى أمريكا لا يعرفون عن الإسلام إلا أقل القليل.. وقد تشرفت بمقابلة الشهيد الذى راح ضحية عملية إرهابية فى الأردن ومعه ابنته فى وقت كان يحلم فيه بأن يقدم صلاح الدين الأيوبى.. كما قدم عمر المختار هذا ما كان يفكر فيه من يعيش فى الغرب.. بينما هنا بين أبناء العرب من ينفق على التافه والسطحى والأعمال التى تساهم مثل المخدرات فى تغييب العقل ونشر ثقافة البلطجة والإجرام.
منع وإعجاب
لعل من أجمل ما قيل عن الفيلم انه يدور حول شخصية جليلة مقدسة.. لكنه لا يظهر فى مشاهده نهائياً احتراما لمكانته وعظيم قدره «اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم» وكيف يظهر والفيلم جرت كتابته فى مصر لمدة سنة كاملة وأجازه الأزهر الشريف.. وقد شارك فى كتابته توفيق الحكيم وعبدالحميد جودة السحار وعبدالرحمن الشرقاوى والكاتب محمد على ماهر.. وصانع الفيلم بشكل نهائى الأمريكى هارى كريج وغير صحيح ان نجيب محفوظ اشترك فى السيناريو كما تنشر بعض المواقع.. وراجع العمل من الناحية الدينية والتاريخية الدكتور أحمد شلبى والد الإعلامية سهير شلبى.
الغريب ان السبب الرئيسى لمنع الفيلم الخوف من ظهور صورة النبى محمد صلى الله عليه وسلم وهو ما لم يحدث ولكن المخرج العبقرى استفاد من هذا المنع فى تقديم حلول درامية بديلة حققت أثرها بدرجة كبيرة وقدمت للسينما العالمية تجربة فريدة أن تقدم فيلما عن شخصية عظيمة لكنك لا تراها وفى نفس الوقت تعيش الفعل من خلال رد الفعل وهو أقوى.. وهو أن نرى المدخن يمارس التدخين.. بينما نجده يعانى من السعال وضيق التنفس وأمامه أعقاب السجائر.. ومثلما أثار الفيلم جدلاً عند تصويره وهددت أحد الدول بعدم حضور القمة العربية فى الرباط إذا ما استمر العقاد فى عمله مما جعله يحمل الديكورات الضخمة فى سفن وضعها العقيد القذافى تحت تصرفه ووافق أن يستكمل الفيلم الذى ساهمت فى إنتاجه المغرب والكويت ثم ليبيا بعد أن زادت الميزانية سبعة ملايين وهو ما فتح للعقاد الباب لكى يقدم عمر المختار بإنتاج ليبى أيضاً وكأن الله عوضه عن جهده الكبير.. وعندما عرض العمل فى أوروبا وأمريكا هددت عصابات معادية للإسلام وأخرى متشددة بحرق صالات العرض.. والفيلم زلزل الأرض عند عرضه فى لندن وأقبل عليه الجمهور الغربى أكثر من العربى وحقق للإسلام ما لم تحققه مئات الكتب.. واستجاب لتغيير الاسم من «محمد صلى الله عليه وسلم» إلى الرسالة.. لأن بعض أفيشات الفيلم كانت توضع بجوار الأندية الليلية والملاهى..!!
حكاية عمر
ولا يزال الفيلم إلى يومنا هذا يثير الجدل والاعجاب حيث توافرت له كافة أسباب النجاح.. وقد أراده العقاد أن يخرج عربيا مائة فى المائة وقد ظهر عمر الشريف فى أكثر من لقاء تلفزيونى فى مصر يعلن عن حزنه لأنه لم يشارك فى هذا الفيلم وهو العربى الذى يعرف عن الإسلام أكثر مما يعرف أنتونى كوين.. وهذا هو سبب اختياره فى أول بطولة أوروبية له فى فيلم «لورانس العرب» وقال ان العقاد اعتذر له لأن الفيلم لم يكن به من الأدوار ما يناسبه، وكان قد تعاقد مع انتونى كوين وفى نفس اللقاء اعترف عمر بأن هوليود تعتمد فى تقديم الشخصيات العربية أن تقدمها بصورة سلبية ظالمة.. وفى شجاعة نادرة أكد انه شارك فى بعض أعمال من هذا النوع فقد كان مفلساً إلى أقصى درجة وبالبلدى «هيموت من الجوع» وكان يتمنى لو أن الفرصة وصلته ليشارك فى عمل إيجابى ومؤثر من نوعية الرسالة.. واعترف أيضاً بأن عبدالله غيث لم يكن يقل أبداً عن نظيره انتونى كوين بل وتفوق عليه فى بعض المشاهد لأنه أكثر دراية بما يقول ويفعل.. وكررها عمر أكثر من مرة إعلاميا كنت أود أن أرتدى ملابس حمزة بن عبدالمطلب وأمسك سيفه.
ومن الطرائف أن توفيق الدقن عندما قابل العقاد ذات مرة عاتبه هو أيضاً لعدم مشاركته فى الفيلم وبكل حب أجابه العقاد بأن الأدوار المتاحة لم تكن مناسبة له فقال الدقن: يا سيدى خلينى أعمل «أبوجهل أو أبو لهب» أنا تخصص كفار!! ومؤخرا عادت إيران تعرض الفيلم بعد أن منعته.. والغريب ان السبب الرئيسى للمنع والخوف من ظهور شخصية خير خلق الله صلى الله عليه وسلم لم يحدث.. وربما كل هذا المنع غير المبرر جاء لصالح الفيلم الخالد.. فقد رحل أغلب من ساهموا فيه وهو يعيش يقدم رسالته للأجيال المتعاقبة فى عصر الصورة وفى كل المحاولات الواضحة لربط الإسلام بالإرهاب وهم من يصنعونه ويصدرونه إلينا.
يكفى أن مولانا الشيخ الشعراوى عندما شاهد الفيلم أشاد به واستعجب من منعه.. لكنها الأقدار تلعب لعبتها.. ويظل ما يمكث فى الأرض ما ينفع الناس وأما الزبد فيذهب جفاء!! وننصح أهل السينما بالسير على خطى العقاد وتقديم الموضوعات التى تعطى صورة بديعة عن الإسلام وسماحته.









