يعتبر واحدًا من حكماء السياسة العربية والسلك والدبلوماسى المصرى المميزين فقد اكتسب شهرته مع التحاقه بأول بعثة دبلوماسية إلى انجلترا تابعة لوزارة الخارجية مع انشائها فى عشرينيات القرن الماضى التى كانت تحتل مصر فانضم إلى الرعيل الأول لتأسيس السلك الدبلوماسى بعد صدور تصريح 28فبراير 1922 والذى قدم للدولة المصرية وقتها بعد ثورة 19 ما يمكن أن يسمى بـ«الاستقلال الشكلى».. وبالرغم من أنه حفيد لشيخ الأزهر الشريف فى نهاية القرن 19 وأوائل القرن العشرين الشيخ حسونة النواوى إلا أنه لم يتجه إلى التعليم الأزهرى بل إنه رغم تأثره بجده التحق بالمدرسة الابتدائية وحاز على شهادتها عام 1912 ومنها إلى المدرسة الخديوية التى حصل منها على الكفاءة عام 1914 ثم البكالوريا 1916 وكان المقرر أن يتخرج عام 1919 لكن تأجل تخرجه بسبب مشاركته فى ثورة 1919 وبعد التخرج فى كلية الحقوق عمل محامياً فى مكتب المرحوم إسماعيل زهدى ثم التحق بوزارة الخارجية مع الرعيل الأول للدبلوماسية المصرية ورشحه الملك أحمد فؤاد لأول بعثة إلى لندن وخلالها حصل على الماجستير من جامعة كمبردج 1925 وعاد إلى مصر وعمل بداية بالنيابة قبل أن يواصل بالخارجية العمل مع الوزير عبدالفتاح يحيى وتدرج فى المناصب الدبلوماسية المختلفة حتى حاز على وزير مفوض عام 38 قبل الحرب العالمية فى رحلة دسمة بأحداثها ووقائعها وعاش حسونة وقائع الأزمة الاقتصادية العالمية فى اوائل ثلاثينيات القرن الماضى ومع الخارجية كان أول الامتحانات الصعبة للدبلوماسى الشاب «عبدالخالق» وهو الذى اقترن اسمه بإنشاء الوزارة .. وفى عام 1925 بعد نيله الماجستير لم ينس طوال تاريخه السياسى والدبلوماسى أنه من مؤسسى الدبلوماسية المصرية والعربية التى كان من أوائل أبنائها إن لم يكن أولهم وهى المدرسة التى صارت نموذجًا عربيًا وأفريقيًا وآسيويًا كواحدة من أهم المدارس العريقة التى ضمت فيما بعد ألمع الأسماء المصرية فى تاريخنا الدبلوماسى عبر قائمة طويلة ومدارس عديدة تولى أبناؤها العديد من المناصب الدولية وليس تمثيل مصر فى الخارج ففيها محمود عزمى ومحمود فوزى ومصطفى كمال طلبة الذى تولى منظمة البيئة فى الأمم المتحدة ومحمود رياض ومراد غالب وإسماعيل فهمى وعصمت عبدالمجيد وعمرو موسى وأحمد أبوالغيط مروراً بالراحل نبيل العربى والأربعة تولوا مركز الأمين العام للجامعة العربية ولم يتولها غير مصرى إلا الشاذلى القليبى فى ثمانينيات القرن الماضى عندما نقلت إلى تونس نهاية السبعينيات بعد زيارة الرئيس الراحل السادات إلى إسرائيل.
واعتقد أن أبناء جيلى لم يمر يوم عليهم فى نشرة أخبار على مدى 20 عاماً دون أن يسمعوا اسم «حسونة» فى إحدى نشراتها.. كان يتسم بالهدوء والحكمة فى مرحلة صعبة من الأحداث وسط الحرب الباردة.. قبيل بدء حياته الدبلوماسية التى تخللها سيرة مميزة تولى فيها مناصب فقد ارتقى إلى تمثيل الدولة المصرية فى برلين «ملحق» عام 1927 وفى براغ 1928 وفى بروكسل 1930 وفى رومانيا عام 32 قبل أن يتولى منصب مدير مكتب وزير الخارجية 1934 وسكرتير عام للوزارة 1938.
وخلالها تولى منصب وكيل وزارة الشئون الاجتماعية وسط أحداث الحرب العالمية الثانية 1942.. أسند إليه منصب محافظ الإسكندرية فى نفس العام وخلال فترة توليه المنصب افتتحت جامعة الإسكندرية بعدها عين وكيلاً لوزارة الخارجية ووزير للشئون الاجتماعية 49 فى حكومة حسين سرى باشا قبل الثورة بأيام اختير وزيراً للمعارف 1952.. ومع قيام ثورة يوليه تم اختياره من قبل اللواء محمد نجيب أميناً عاماً للجامعة العربية ليستمر فى المنصب 20 عاماً ليسجل أسمه أطول فترة لأمين عام للجامعة منذ إنشائها عام 5491 قبل 18 عاماً.
كتاب وسيرة ذاتية
وفى ظنى لا يمكن الحديث عن الأمين العام الثانى الذى تولى المنصب خلفاً لعبدالرحمن عزام دون النظر إلى الكتاب المميز الذى أصدره ابنه السفير حسين حسونة مساعد وزير الخارجية السابق الذى أعده وألفه إيماناً بتجربة والده وحياته التى امتدت 90 عاماً ما بين 1896 وحتى وفاته فهى قصة وزارة وتجربة شعب بأحداثها التى بدأت مع والده قبل الحملة الفرنسية بعام واحد حيث ولد عام 1896 وقبل حادث دنشواى بعشرة أعوام مروراً بأحداث مهمة ونفى سعد زغلول ومباحثات إلغاء الاحتلال فى عالم عربى كانت دوله تكافح للحصول على الاستقلال وتأسيس الدولة الوطنية.
ولم ينس حفيد شيخ الأزهر وزوج كريمة الباشا محمد شاهين طبيب الملك الخاص أنه عاش أزمة الطاقة إبان الحرب العالمية وأنه نقل من الخارجية إلى وزارة الشئون الاجتماعية لمحاربة الغلاء والفقر وهى الوزارة التى انضم إليها الكاتب الكبير صاحب يوميات نائب فى الأرياف توفيق الحكيم تاركاً النيابة.. وترك حسونة فى الوزارة التى تولى فيها منصب أول وكيل لها ليضع إستراتيجية تكافل لبناء اجتماعى مستفيداً من تجربته الدبلوماسية وتجارب الدول التى عمل بها أثناء الحروب فى القرن الماضى.
قضية الحفاة
نال عبدالخالق حسونة شهرة مهمة عندما تبنى قضية «الحفاة» بعدما اسندت إليه رئاسة واحد من أهم المشروعات الاجتماعية والصحية قبل ثورة 1952 واهتم بمشروع الحفاة وجعله بنداً أول فى مهمته قبل قضايا الزواج والخلافات الأسرية كما كان يريد المفكرون ويكتبون وقتها حول الوزارة والذى تناول ذلك باستفاضة المفكر والأديب الكبير أحمد أمين.
والحقيقة بمشاعر إنسانية تحرك حسونة الدبلوماسى ونجح بإستراتيجية نشطة فى مكافحة الحفاء وتسليم الأحذية لتلاميذ المدارس وذلك حماية للناس من الأمراض وتم تشجيع أصحاب رءوس الأموال بالتبرع لهذا المشروع.. وحرص الملك على منح لقب باشا أو بك لمن يدفع أكثر لهذا المشروع.. ونجح حسونة فى تشجيع أصحاب الأموال بالتبرع.
حسونة وزيرًا والـ 130 ألف جنيه
بالفعل نفذ حسونة خطته للحفاة التى قادت لاختياره وزيراً للشئون الاجتماعية وبلغت التبرعات للمشروع 130 ألف جنيه وهى بمقاييس ذلك الزمان مبلغ مهم كبير وعليه تأسست مؤسسة «الحفاة للأحذية».. وفى 6 يناير 1950 تم دعى الملك لافتتاحها وخصص من المبلغ نحو 50 ألف جنيه لشراء الأحذية وزعت على الفقراء.. وبدأت حركة تصنيع الأحذية التى وصلت عبر المؤسسة إلى نحو 500 حذاء يومياً مع توفير الجلود وكان وراء ذلك حسونة فى البحث عن حلول لهذه القضية الاجتماعية.
حسونة وثعلب الصحراء
أثناء توليه محافظة الإسكندرية كانت القوات الألمانية قد وصلت مطروح بقيادة ثعلب الصحراء روميل الذى هدد الإسكندرية أيضاً التى تبعد عنها نحو 200 كيلو متر وهنا فتح حسونة المحافظ مع مصطفى النحاس رئيس الوزارة قنوات لكيفية التصدى لروميل إذا غزت قوات ألمانيا المدينة.. وتشير بعض التقارير إلى أن حسونة اصطدم مع النحاس عندما أبلغه أنه إذا أقدمت ألمانيا على الإسكندرية هجوماً أو احتلالاً أن يذهب إلى القائد الألمانى روميل ويسليمه مفاتيح الإسكندرية على أنها مدينة مفتوحة.. وهنا رفض حسونة باشا هذا الطلب وأنه لن يتفاوض مع روميل.. وكان أسعد لحظات حسونة باشا هى الأيام التى شهدت جلاء الانجليز عن مواقعها فى الإسكندرية عام 1947.
أما فى 24 مايو 1948 فكان آخر يوم له محافظاً للإسكندرية وهو يوم دخول الجيش المصرى حرب فلسطين ويومها عاد مرة ثانية إلى الخارجية للمشاركة فى المعركة الدبلوماسية بعد ذلك قبل أن يعود مرة أخرى وزيراً للشئون الاجتماعية قبل أن يختار وزيراً للخارجية فى حكومة نجيب الهلالى.
معركة تأميم قناة السويس
لعل من الأيام المهمة فى تاريخه السياسى أميناً للجامعة كان العدوان الثلاثى على مصر بعد تأميم القناة 1956 مع الحرب كان له دور مهم فى حل مشكلة اللاجئين ودعمه إنشاء منظمة التحرير وحمل مأساة فلسطين إلى المجتمع الدولى واستمر فى دعم العمل العربى المشترك وإزالة العدوان على الدول العربية وهذا ما ذكره نجله فى الكتاب الذى تناول سيرته «اتفاقات وخلافات العرب كما عايشها» والذى يتناول دوره منذ استدعاء اللواء محمد نجيب له فى 7 سبتمبر 1952 ليبلغه بترشيحه أميناً للجامعة والتى انتخب بعدها بالإجماع.
مؤتمرات القمم العربية
يحسب للأمين العام للجامعة العربية محمد عبدالخالق حسونة أن القمم العربية كآلية للجامعة لمناقشة الأحداث العربية والإقليمية شهدت فى عهده عقد 5 مؤتمرات عربية بينها قمة بيروت عام 1956 التى استعرضت العدوان الثلاثى على مصر.. وكان قد سبقها عدة لقاءات عربية منها قمة انشاص فى أربعينيات القرن الماضى برئاسة الأمين الأول للجامعة عبدالرحمن عزام ومعه انتظمت عدة مؤتمرات عربية بينها القمة الأولى فى يناير عام 1964 والتى جاءت بعدها قمة إسكندرية ثم قمة الخرطوم 67 أشهر القمم العربية فى الستينيات وبعد نكسة يونيو 1967 لدعم دول المواجهة نجح الدكتور عبدالخالق حسونة الذى فى عهده أيضاً تم إنشاء مبنى الجامعة الأنيق على بنك القاهرة فى عقد عدد من القمم العربية المهمة فى مرحلة تاريخية من تاريخ العالم العربى فقد تسلم الأمانة وعدد الدول المشاركة بالجامعة 8 أعضاء وبعدها توالت عملية انضمام الدول العربية للجامعة كالجزائر وتونس والكويت والبحرين وسلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة والمغرب وموريتانيا والصومال.. وعقدت قمة يناير 1964 بالقاهرة فى 13 يناير وكانت القمة الثانية فى الإسكندرية فى 5 سبتمبر 1964 وفى عام 1965 عقد قمة الدار البيضاء بالمغرب.
قمة اللاءات الثلاثة
ويربط الخبراء نجاحه بعقد قمة اللاءات الثلاثة بالعاصمة المثلثة الخرطوم بعد نكسة يونيو 67 فى 29 أغسطس 1967.. والتى اعتقد الغرب وقتها أنها قمة «للشماتة» لكن خروج الشعب السودانى لاستقبال عبدالناصر جعل إذاعات الغرب وبينها الـBBC وصوت أمريكا تقول الشعب السودانى خرج لعبدالناصر وكأنه زعيم منتصر.. وتحولت القمة إلى دعم للرئيس عبدالناصر والإرادة العربية بإزالة آثار العدوان وتحرير الأرض وعرفت سياسياً بقمة «اللاءات الثلاثة».. وكانت هذه القمة واحدة من أنجح القمم العربية حيث أزالت الخلافات العربية وخصصت دعماً عربياً لمصر والأردن وسوريا بسبب العدوان الإسرائيلى.
قمة الرباط.. و«ايلول الأسود»
وفى الرباط عقدت القمة الخامسة فى 23ديسمبر 1969 وبعدها عقدت فى القاهرة قمة ايلول الأسود فى 22 سبتمبر 1970 بالقاهرة بسبب تدهور الأوضاع فى الأردن والصدام الأردنى الفلسطينى وبعدها تمت المصالحة وفى 28 سبتمبر آخر يوم للقمة توفى جمال عبدالناصر بعد وداعه للزعماء العرب الذين حضروا القمة.. وكان معه عبدالخالق حسونة فى الوداع بعد بذل جهد واضح فى المصالحة بين الملك حسين والزعيم ياسر عرفات.
العائلة والزواج
تزوج د. عبدالخالق حسونة من السيدة هدى شاهين وهى كريمة د.محمد شاهين باشا الطبيب الخاص للملك فؤاد وأول وزير صحة فى مصر، وتم الزواج فى عام 1930 وأنجب منها خمسة من الأبناء بينهم السفير حسين حسونة مساعد وزير الخارجية السابق ومحمد وزينب وفريدة وأحمد، ويحسب لابنه السفير حسين تأليفه لكتاب «صفحات وخلافات العرب كما عايشها حسونة»، ولم ينس الأمين العام أنه من مواليد قرية نواى التى تقع على البحر اليوسفى، ووالده الشيخ عبدالله النواوى صاحب المقام الشهير الشيخ النواوى فى الدرب الأحمر والقريب من مسجد السيدة زينب.
الوفاة
بعد أن خرج من الأمانة العامة للجامعة العربية تفرغ لحياته العائلية ومر بظروف مرضية لم تتوافر حولها معلومات كثيرة، حيث ابتعد كثيراً على غمار السياسة لكن فجأة يوم الاثنين 20 يناير 1992 الموافق 16 رجب 1412 هـ أعلن عن وفاته ليسدل الستار عن سيرة ثانى أمين لجامعة الدول العربية د.عبدالخالق حسونة الذى أمضى 20 عاماً فى المنصب، شهدت كثيراً من الأحداث العالمية ابان الحرب الباردة كما شهد انكسارات عربية كثيرة.. كان حسونة يتميز بالهدوء وقد شهدت فترته إقامة المبنى الأنيق المطل على نيل القاهرة ومازال حتى الآن رمزاً للوحدة ولم الشمل واللقاءات العربية.. وبوفاته أسدل الستار على أمين عام للجامعة العربية ووزير للخارجية ومحافظ ومحامى لامع ووكيل للنيابة ووزير للشئون الاجتماعية والمعارف.
بوفاته طويت صفحة ناصعة من حياة سياسى ودبلوماسى مصرى من القرن الماضى ترك بصمة واضحة فى الجامعة العربية التى جلس على كرسى أمانتها عقدين من الزمان، كانت مملوءة بأحداث عربية وإقليمية وإسلامية ودولية مازالت بعض آثارها إلى اليوم، ويظل اسم عبدالخالق حسونة بما تركه من بصمة عمل خالدة تتناقلها الأجيال السياسية والدبلوماسية العربية.









