تاريخ العلاقات بين مصر وليبيا ليس وليد اللحظة السياسية المعاصرة، ولا هو نتاج مصالح عابرة تمليها الظروف الطارئة، بل هو امتداد طبيعى لأواصر الدم والجغرافيا، والروابط الاجتماعية والتاريخية المتشابكة على امتداد حدود شاسعة تجاوز سياجها مجرد كونها خطوطاً رسمية على الخرائط. من هذا المنطلق الاستراتيجى والإنسانى العميق، اتسم الموقف المصرى تجاه ليبيا على مر العصور، وتحديدا خلال سنوات الأزمة الأخيرة بالثبات والوضوح والمسؤولية القوميزة الكبرى، ومرتكزا على غاية أساسية واحدة تتمثل فى الحفاظ على وحدة الدولة الليبية وسلامة أراضيها واستعادة استقرارها.
لم تحد بوصلة السياسة المصرية قط عن مبادئها الثابتة تجاه الشقيقة ليبيا، والتى تستمد قوتها من ميثاق الأمن القومى المشترك والأخوة الصادقة. ويمكن إيجاز هذه الثوابت فى الحفاظ على وحدة الدولة ووحدة ترابها، ورفض مصر التام لأى محاولات لتقسيم ليبيا أو تفكيك مؤسساتها الوطنية، والتشديد على أن ليبيا الموحدة هى الضمانة الوحيدة لاستقرار الإقليم. ولابد من التأكيد المستمر على أن أى تسوية سياسية يجب أن تنبع من الإرادة الحرة لأبناء الشعب الليبى أنفسهم، دون أى إملاءات خارجية أو تدخلات عسكرة تزيد المشهد تعقيداً. ومن المهم مساندة الجيش الوطنى الليبى وكافة المؤسسات التشريعية والتنفيذية التى تضمن فرض سيادة القانون وحماية مقدرات الشعب. وكذلك ضرورة إخراج المرتزقة والقوات الأجنبية. ولابد من المطالبة الدائمة والواضحة بضرورة خروج كافة القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب والمرتزقة من الأراضى الليبية، باعتبار ذلك شرطاً لا غنى عنه لتحقيق الاستقرار وبناء السلام الحقيقي.
منذ اندلاع الأزمة الليبية عام 2011 وما تبعها من فوضى وانقسامات سياسية وأمنية، لم تنزلق مصر إلى مستنقع التدخل العسكرى السلبى أو السعى لتحقيق مكاسب ضيقة، بل اختارت طريق الدبلوماسية الرصينة. ولعبت القاهرة دور الوسيط النزيه والأمين القادر على جمع الأشقاء الليبيين بمختلف توجهاتهم تحت سقف واحد.
وتجسد هذا الدور بوضوح فى استضافة مصر للعديد من اجتماعات توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، وحوارات المسار الدستورى بالتعاون مع الأمم المتحدة، فضلاً عن رعاية مؤتمرات تجمع شمل القيادات القبلية والاجتماعية من شرق ليبيا وغربها وجنوبها. وقد أدركت مصر مبكراً أن الحل الحقيقى يكمن فى رأب الصدع الاجتماعى ولم شمل العائلات الليبية الممتدة عبر الحدود، فكانت المقرات المصرية دائماً بيتاً لكل الليبيين الباحثين عن مخرج آمن لوطنهم. وفى يونيو من عام 2020، وفى لحظة حرجة كادت فيها البلاد أن تتحول إلى ساحة حرب إقليمية مفتوحة تهدد الأمن القومى المباشر لمصر، جاء الخطاب التاريخى للرئيس السيسى ليحدد خطاً أحمر واضحاً وصريحاً. هذا الموقف الحازم لم يكن تلويحا بالعدوان، بل كان رسالة ردع استراتيجية حكيمة أعادت رسم قواعد التوازن، وأوقفت زحف الفوضى والتمدد المسلح الأجنبى نحو العمق الليبى والمصرى على حد سواء. لقد أكدت مصر عملياً أن أمن ليبيا هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصري، وأن العبث باستقرار الجار الغربى دونه خطوط لا يمكن السماح بتجاوزها.
ولم يقتصر الدور المصرى على الجانب السياسى والأمنى فحسب، بل امتد ليكون دوراً إنسانياً وتنموياً فاعلاً. فعندما بدأت خطوات الاستقرار تدب فى بعض ربوع ليبيا، كانت الشركات والخبرات المصرية فى طليعة العائدين للمساهمة فى مشروعات إعادة الإعمار، وتطوير البنية التحتية وشبكات الطرق والكهرباء فى طرابلس وبنغازى ومدن الجنوب. كما استقبلت مصر ملايين الأشقاء الليبيين على أراضيها باعتبارهم ضيوفاً مكرمين يعاملون معاملة أهل الدار، ولم تفرض عليهم قيودا تعرقل أعمالهم أو تواجدهم، تأكيداً لعمق الروابط الإنسانية التى تسبق السياسة وتسمو فوق كل الاعتبارات.
إن موقف مصر من وحدة وسلامة ليبيا يمثل نموذجاً فريداً للعلاقات الإيجابية بين الأشقاء، يقوم على أساس الاحترام المتبادل، وصون مقدرات الشعوب، والرفض القاطع لكل محاولات الوصاية الأجنبية. إن استقرار ليبيا بالنسبة لمصر ليس مجرد مصلحة أمنية أو اقتصادية، بل هو امتداد روحى وتاريخى لأمتين تجتمعان على مصير مشترك. وستظل مصر كما كانت دائماً، السند القوى والدرع الواقى لكل شقيق ليبى يبتغى بناء دولة ديمقراطية، حديثة وموحدة ومستقلة.









