مع تصاعد الضغوط الأمريكية على إيران، وتهديد واشنطن بفرض عقوبات شديدة على أى دولة أو جهة تساعد طهران فى الالتفاف عليها، تعود إلى الواجهة سياسة استخدمتها الولايات المتحدة على مدى عقود للضغط على خصومها، عبر تقييد التجارة وتجميد الأصول وفرض قيود على الاستثمارات والتحويلات المالية.
ولا تمثل إيران الحالة الأولى التى لجأت فيها واشنطن إلى سلاح العقوبات الاقتصادية، إذ سبق أن فرضت الولايات المتحدة إجراءات واسعة على دول عدة، بعضها استمر لسنوات طويلة، فيما تحولت بعض العقوبات إلى حصار اقتصادى دولى.
يعد العراق من أبرز الأمثلة الحديثة على استخدام العقوبات الاقتصادية على نطاق واسع. وبعد غزو القوات العراقية للكويت فى أغسطس 1990، فرض مجلس الأمن الدولى حظراً وعقوبات اقتصادية على بغداد، بالتزامن مع تحرك عسكرى قادته الولايات المتحدة انتهى بإخراج القوات العراقية من الكويت مطلع عام 1991. واستمرت العقوبات خلال معظم عقد التسعينيات، وشكلت قيوداً واسعة على التجارة العراقية، قبل أن يجرى تخفيفها تدريجياً عبر ترتيبات دولية، أبرزها برنامج «النفط مقابل الغذاء».
وكانت ليبيا أيضا من الدول التى تعرضت لضغوط أمريكية قوية خلال عهد معمر القذافي. ففى يناير 1986، فرض الرئيس الأمريكى رونالد ريغان عقوبات اقتصادية واسعة شملت حظر معظم التجارة مع ليبيا، ومنع السفر والمعاملات المالية والقروض، إلى جانب تجميد الأصول الليبية فى الولايات المتحدة. وجاءت الإجراءات فى ظل اتهامات أمريكية لطرابلس بدعم الإرهاب، قبل أن تفرض الأمم المتحدة عقوبات إضافية على ليبيا عام 1992 على خلفية قضية تفجير طائرة «بان آم» فوق لوكربى. واستمرت عزلة ليبيا الدولية خلال معظم التسعينيات، قبل تعليق العقوبات ثم رفعها بعد استجابة طرابلس للمطالب الدولية.
الاتحاد السوفييتى..
بعد الغزو السوفييتى لأفغانستان أواخر عام 1979، لجأت إدارة الرئيس جيمى كارتر إلى سلسلة إجراءات اقتصادية وتجارية ضد موسكو. وشملت الإجراءات حظراً جزئياً على صادرات الحبوب الأمريكية إلى الاتحاد السوفييتى، إلى جانب قيود تجارية أخري، فضلاً عن مقاطعة الولايات المتحدة دورة الألعاب الأولمبية فى موسكو عام 1980، ورغم أن العقوبات لم تؤد إلى انسحاب سوفييتى سريع من أفغانستان، فإنها مثلت إحدى أبرز أدوات الضغط الاقتصادى الأمريكية خلال الحرب الباردة.
كوبا.. أطول حصار اقتصادى
منذ وصول فيدل كاسترو إلى السلطة عام 1959، تدهورت العلاقات بين واشنطن وهافانا بصورة متسارعة. وبدأت الولايات المتحدة منذ عام 1960 فرض قيود اقتصادية على كوبا، شملت الحد من واردات السكر الكوبى، ثم تقليص الصادرات الأمريكية إلى الجزيرة. وفى فبراير 1962، فرض الرئيس جون كينيدى حظراً تجارياً واسعاً على كوبا، بالتزامن مع وقف المعاملات المالية وتجميد الأصول الكوبية فى الولايات المتحدة، لتدخل العلاقات الاقتصادية بين البلدين مرحلة طويلة من القطيعة.
الصين.. حصار فى ذروة الحرب الباردة
بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، رفضت واشنطن الاعتراف بالحكومة الشيوعية الجديدة. ومع دخول الصين الحرب الكورية، جمدت الولايات المتحدة الأصول الصينية وفرضت قيوداً واسعة على التجارة، شملت الوقود والمواد الأولية والتكنولوجيا والآلات والسلع التى يمكن استخدامها عسكرياً. واستمرت القيود خلال الخمسينيات والستينيات، قبل أن يبدأ تخفيفها تدريجياً مع التحول الكبير فى العلاقات الأمريكية الصينية خلال عهد الرئيس ريتشارد نيكسون.
كوريا الشمالية.. عقوبات ممتدة
منذ الحرب الكورية
فرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها قيوداً اقتصادية على كوريا الشمالية منذ الحرب الكورية، شملت الأسلحة والذخائر ووسائل النقل وقطع الغيار والمواد التى يمكن استخدامها فى الصناعات العسكرية. وتوسعت العقوبات لاحقاً مع تطور البرنامجين النووى والصاروخى لبيونغ يانغ، لتصبح كوريا الشمالية واحدة من أكثر الدول تعرضاً للعقوبات الأمريكية والدولية.
اليابان.. العقوبات التى سبقت بيرل هاربر
وتعود جذور استخدام واشنطن للعقوبات الاقتصادية ضد دولة كبرى إلى اليابان فى ثلاثينيات القرن الماضى. ومع توسع طوكيو العسكرى فى الصين والهند الصينية، فرضت الولايات المتحدة قيوداً متزايدة على صادرات المواد الخام والوقود إلى اليابان، ثم جمدت الأصول اليابانية، ما حرم طوكيو من جزء كبير من قدرتها على شراء السلع من الأسواق العالمية. ومع تعثر المفاوضات بين البلدين، هاجمت اليابان قاعدة بيرل هاربر فى 7 ديسمبر 1941، لتدخل الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية مباشرة.
وهكذا، تكشف هذه الحالات أن العقوبات الاقتصادية ظلت لعقود إحدى أهم أدوات السياسة الخارجية الأمريكية، واختلفت شدتها وأهدافها من دولة إلى أخري، قبل أن تتحول فى السنوات الأخيرة إلى سلاح أكثر تعقيداً يستهدف قطاعات مالية ونفطية ومصرفية وشبكات تجارة عالمية، وهو ما يجعل الحالة الإيرانية الحالية امتداداً لتاريخ طويل من استخدام واشنطن للضغط الاقتصادى.









