كثيرون هم الذين يصدمونك بأكاذيبهم الوقحة، لا يعرفون الخجل ولم يلتقوا يوما بالمروءة ولو على سبيل الخطأ، كل شيء لديهم قابل للبيع فلم يعد لديهم رصيد من الشرف حتى للمقايضة والمفاوضة، أسماء عديدة تصدرت المشهد وقد بدا كل منهم عاريًا مفضوحًا وهو من فرط غبائه يظن أنه مختبئ وراء إصبعه.
هناك من يكذبون بصدق ومن يخونون بكل أمانة، ومن يتاجرون فى كل شيء، حتى فى ضمائرهم وشرفهم، وهناك من يخونون لا إراديًا. وعلى الطرف الآخر من النهر، نجد الشرفاء والأوفياء والنبلاء والمخلصين، الذين يتعاملون مع القضايا والأزمات بمنطق الفرسان؛ فلا يناورون، ولا يكذبون، ولا يقولون ما لا يفعلون.
يتحمل هؤلاء عنتًا وظلمًا متواصلاً جراء وضوح مواقفهم. وعلى كل حال، غدًا ستذوب الثلوج وتبين المروج؛ ستغادرنا الثلوج بألوانها الخادعة، وحالتها المزيفة المؤقتة، وتختفى المياه الناتجة عن عملية الذوبان فى قاع التربة.
هنا ستُفضى الأرض بكل أسرارها؛ ستُزهر الأرض الطيبة نباتًا طيبًا، أما تلك الأرض الخبيثة فستسرق المياه إلى باطنها، وتبخل علينا بزهر أو ثمر أو شجر.
ستفصح كل أرض عما لديها، وكل إناء ينضح بما فيه.
ونحن الآن نواجه حزمًا من الأزمات والمشكلات والصراعات، نواجه معها حزمًا مماثلة من الأكاذيب والشائعات فى كل الاتجاهات. وكل قراراتك وسلوكياتك لن تحظى برضا هؤلاء فى يوم من الأيام؛ فهم يضعون السيناريوهات، ويرسمون التوقعات لقرار ما فى مسألة ما تخص الإدارة المصرية.
فإذا قررت مصر قرارًا، وجب المسارعة إلى نقده والهجوم عليه وتحميله ما لا يحتمل. فقبول مصر أمرًا ما يستوى عندهم مع رفضها الأمر نفسه؛ فالقصة ليست: أين تقف مصر؟ بقدر ما هى ضرورة الهجوم على مصر أينما وقفت.
ففى الأوقات الضبابية، يختلط الحابل بالنابل، ويختلط الحق بالباطل، وتزداد المتشابهات، ويفضل الناس سكنى الأحياء الرمادية. وربما يفقد الناس البوصلة التى يهتدون بها إلى طريق الحق الذى يقودهم إلى تحقيق غاياتهم.
بعد تفكير وتمحيص، وضعت يدى على الحل الناجع، وهو التجرد. والتجرد ليس له من طريق إلا عصيان الهوي، الذى يُعد من أصعب الأمور التى ينشدها الإنسان؛ فالحق مُرّ، والدفاع عنه أمرّ، وعلى أهل الحق التسلح بالصبر دون شكوى، وهو ما يُطلق عليه الصبر الجميل.
فالباطل لا يسود ولا يقوى إلا بانصراف أهل الحق عن مواجهة أهل الباطل. بيد أن بعض الفئات الرمادية لا يحبون المواجهات، ولا يخوضون المعارك، ولا يجيدون الدفاع عن معتقداتهم وآرائهم، تحت لافتات متنوعة تبدأ بـ«للبيت رب يحميه»، وتنتهى بـ«كبّر مخك»!
ورغم صعوبة التمييز بين أهل الباطل وأهل الحق، فإنك وسط الضباب لا تعرف ابن سلول من ابن أبى طالب، ولا تعرف جمال عبد الناصر من حسن البنا؛ يختلط عليك الأمر، ولكن بعد انقشاع الضباب سترى من كان معك ومن كان ضدك، ومن كان يصلى ومن كان يكفر.
حينها ستتفاجأ، وتصيبك الصدمات، عندما ترى الناس على حقيقتهم، وتشم رائحة سواد قلوبهم.
لذلك، انتظر دومًا تلك اللحظات التى يصفو فيها الجو، ويرحل الضباب، وينقشع عن دورنا، وتذوب الثلوج.. وتبين المروج.









