ليس اعتراضًا على الفن أن نسأل عن تأثيره، وليس هجومًا على الفنان أن نطالبه بالمسئولية، فالفن ضرورة، والفرح حق، وحرية الإبداع قيمة لا ينبغى التفريط فيها، لكن الحرية فى مجتمع يريد الإصلاح لا تنفصل عن المسئولية.
ما نشهده فى حفلات بعض نجوم الغناء يستحق التوقف، واتخاذ قرار طال غيابه، تذاكر بأرقام فلكية، وتكالب على الحضور، بينما تعانى أسر مصرية كثيرة الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة، وتداول رواد التواصل قصة سيدة عجوز باعت جاموستها لحضور إحدى الحفلات، لا يمكن الجزم بصحة القصة، ولكن كيف أصبحت حفلة غنائية أهم من أصل يدر دخلاً على أسرة؟
من حول الأمر إلى سباق اجتماعى تصبح فيه الحفلة عنوانًا للمكانة، والصورة أهم من قيمة المال وقيم عديدة..
وتتداول مواقع التواصل مقاطع للتحرش بالفتيات والتدافع والفوضي، قطعا التحرش جريمة أينما وقع، وتصوير الضحية بدلاً من إنقاذها ومحاسبة المعتدى جزء من أزمة أخلاقية لا يجوز تجاهلها.
أن يصبح الفنان نجمًا جماهيريًا، ويتحول مظهره وسلوكه وكلماته إلى نماذج يتابعها الملايين، خصوصًا الشباب هى مسئولية، ومن حق الفنان اختيار ملابسه، لكن من حق المجتمع أيضًا مناقشة تأثير الصورة التى يقدمها، خاصة مع بعض الإطلالات المسرحية التى تبتعد كثيرًا عن المألوف فى المجتمع المصرى والعربي.
الأمر ذاته ينطبق على أعمال فنية تقدم العنف والبلطجة والانتقام بصورة متكررة، وأحيانًا تجعل البلطجى أكثر هيبة من رجل القانون، ليس المطلوب منع تناول العنف، وإنما التمييز بين كشف المرض الاجتماعى وتجميله وتحويله إلى نموذج.
وهنا يأتى دور النقابات الفنية، لا نطالبها بمصادرة الإبداع أو فرض رقابة على الفنانين، وإنما بحوار جاد حول المسئولية الاجتماعية، وميثاق مهنى يحترم حرية الإبداع ويرفض تمجيد العنف والتحرش والجريمة.
منظمى الحفلات مطالبون بتوفير الأمن والتنظيم وحماية الجمهور، وليس فقط بيع أكبر عدد من التذاكر.
هذه ليست دعوة لإغلاق المسارح أو منع الحفلات، بل دعوة لقواعد واضحة ومحاسبة حقيقية، ننحاز لحرية الإبداع، فالإصلاح لا يعنى الهدم، بل يعنى أن نسأل ما الذى يحتاج إلى تعديل؟
نريد الفن والفرح، لكننا نريد أيضًا مجتمعًا يستمتع دون أن يفقد بوصلته، ويمارس حريته دون أن ينسى مسئولياته.
فحين تتجاوز الحفلة حدود الترفيه لتصبح صورة للفوضى والاستهلاك والهروب من الواقع، يصبح السؤال مشروعًا.. من المسئول عندما تنطفئ الأضواء؟.









