تحدثنا فى المقال السابق عن امتيازات يتم منحها عن طريق وزارة الإسكان لكبار المطورين العقاريين لتشجيع الاستثمار العقاري.. وهو امر جيد كما قلنا.. واليوم نتحدث عن الجانب المقابل فى المعادلة وهو المواطن العادى وهل يحصل على أى امتيازات رغم أنه الممول الأول للدولة..؟؟
تطرح السياسات الاقتصادية والخدمية فى الآونة الأخيرة تساؤلاً جوهرياً يشغل الجميع.. هل أصبحت التيسيرات والتسهيلات حكراً على «رأس المال الكبير» بينما يترك الشارع البسيط وأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة فى مواجهة حزمة من الاشتراطات والرسوم المعقدة التى تهدم تطلعاتهم.
المقارنة بين الطرفين تجعل الفارق مثيراً للجدل وتضع فلسفة العدالة الاستثمارية والإدارية تحت المجهر.. فعلى جانب الكيانات العقارية والاقتصادية الكبرى نجد سياسة «المساندة المرنة» لامتصاص صدمات التضخم واضطرابات الأسواق وإعفاءات غرامات التأخير تصل إلي90 ٪ من قيمة الغرامات المالية للشركات والمطورين مقابل التسوية وسداد أصل الأقساط.. ومنح مدد إضافية لمشروعات عقارية واستثمارية دون فسخ العقود أو مصادرة التخصيصات.. مع إقرار مرونة عالية فى نقل الملكيات وتعديل هياكل الشركاء والاندماجات لضمان تدفق السيولة النقدية وحماية الاستثمارات الكبري.. وهذه القرارات ضرورية لمنع انهيار القطاع العقارى والحفاظ على ملايين فرص العمل وضمان استمرار المشروعات الإستراتيجية..
أما وجه المعادلة الثانى فهو يختلف تماما فعلى النقيض يصطدم المواطن صاحب «المحل التجاري» أو المشروع الصغير بالمدن الجديدة على الواقع التنفيذى الصارم لقوانين التراخيص مثلا حيث تفرض عليهم ضغوط مالية وإدارية تصدم أصحاب المنشآت الصغرى .. وعلى سبيل المثال تتفاقم تكلفة تغيير النشاط التجارى أو تقنين الأوضاع عند الحساب التراكمى لتصل فى بعض الحالات إلى مئات الآلاف من الجنيهات.. وقد تتجاوز الـ 400 ألف جنيه كما ورد فى شكوى مواطن أراد تغيير النشاط ففوجئ بتحديد مبلغ 430 ألف جنيه حسب الرسوم التى حددتها هيئة المجتمعات العمرانية كما ذكر الموظف المسئول والذى طالب المواطن بتقديم تظلم بالهيئة.. وصورة الخطاب الرسمى بالمبلغ موجودة معى فعلا ويخص أحد المحلات بإحدى المدن العمرانية الجديدة وهو ليس حالة منفردة بل هناك الكثيرون ينتظرهم نفس المصير بعقوبات الغلق والتشميع لعدم تجديد الرخصة أو تغيير النشاط لعجزه عن الدفع ..
من الناحية التحليلية لا تقر الأجهزة بوجود تمييز بل ترى أن المستثمر الكبير يخضع لتقييمات بالمليارات ويضخ سيولة تخدم الخزانة العامة مباشرة.. بينما تستهدف رسوم المحال تنظيم الشارع والقضاء على العشوائية ومراقبة الأنشطة.. لكن الواقع العملى يعكس تبايناً صريحاً فى فلسفة التعامل ..فالمرونة المتميزة للكبار مقابل صرامة النصوص على الصغار تثير التساؤلات .. حيث ينظر للمستثمر الكبير على أنه «قاطرة اقتصادية» يجب حمايتها من التعثر بكل الوسائل القانونية والاستثنائية.. بينما يُطالب صاحب المحل البسيط باستيفاء كل القواعد والرسوم منه فوراً دون مراعاة لظروف التضخم أو ضعف القوة الشرائية بالشارع.
والواقع يؤكد أن بعض الجهات تغفل فى كثير من الأحيان أن صاحب المحل التجارى هو أيضاً مستثمر صلب يدعم الاقتصاد المحلى ويوفر فرص عمل لأسرتين أو ثلاث وأن الضغط عليه بالرسوم العالية يدفعه إما للإغلاق والبطالة أو للهروب إلى الاقتصاد غير الرسمي.
إن المطلوب اليوم هو تنسيق فلسفة التيسير لتشمل كافة المستويات وتخفيض وإعادة هيكلة رسوم تراخيص المحال وتقليل تكاليف تغيير النشاط والترخيص لتتناسب مع القوة المالية للمشروعات الصغرى والمتوسطة.
مع إقرار إعفاءات ومبادرات تيسير للمواطنين على غرار إعفاءات غرامات كبار المطورين ومنح فترات سماح وتخفيضات تصل إلى 50 ٪ أو 70 ٪ على رسوم التسوية وتقنين الأوضاع للمحال التجارية البسيطة..
إن تحفيز الكبار خطوة استثمارية محمودة.. ولكن حماية وتيسير أمور الصغار هى الصمام الحقيقى للاستقرار الاجتماعى والاقتصادى فى مصر.









