لم يكن التصوف فى مصر مجرد حلقات ذِكر أو مواسم موالد، وإنما شكّل عبر التاريخ أحد المكونات المهمة فى الوجدان الدينى والشخصية المصرية، بما حمله من قيم المحبة والتسامح والرحمة والزهد وتزكية النفس.. وفى زمن تتسارع فيه المتغيرات، وتتعدد فيه مصادر المعرفة، وتتحول فيه منصات التواصل الاجتماعى إلى ساحات مؤثرة فى تشكيل وعى الشباب، تبرز أسئلة عديدة حول مستقبل التصوف ودوره فى المجتمع: هل استطاعت الطرق الصوفية أن تطور خطابها بما يتناسب مع العصر؟ وكيف يمكن أن تواجه التطرف والتشدد؟ وما علاقتها بالأزهر ومؤسسات الدولة؟ وهل تستطيع أن تستعيد حضورها لدى الأجيال الجديدة؟
هذه الملفات وغيرها نناقشها مع د.عبدالهادى القصبى، شيخ مشايخ الطرق الصوفية، فى حوار يفتح العديد من القضايا الشائكة، ويتوقف أمام واقع التصوف المصرى ومستقبله، ودوره فى بناء الإنسان ومواجهة التطرف وتعزيز قيم المواطنة والانتماء.
كيف ترون مشروعية الاحتفال بالمولد النبوى الشريف؟
الاحتفال بمولد النبى صلى الله عليه وسلم من مظاهر محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيم قدره، ما دام فى إطار مشروع ومنضبط، بعيدًا عن المحرمات والمبالغات، ونحن عندما نتحدث عن المولد لا نتحدث عن عبادة مستقلة أضيفت إلى الدين، وإنما نتحدث عن اجتماع الناس على ذِكْرِ سيرة النبى صلى الله عليه وسلم، والصلاة عليه، وقراءة القرآن، وإطعام الطعام، وتذكير الناس بأخلاقه ورحمته ورسالته، والأصل أن محبة النبى صلى الله عليه وسلم ليست محل خلاف بين المسلمين، وإنما الخلاف يدور حول بعض صور التعبير عن هذه المحبة، ولذلك ينبغى ألا تتحول المسألة إلى سبب للتبديع والتكفير والتنازع بين المسلمين.
هناك من يرفض الاحتفال بالمولد بدعوى أنه بدعة؟
ينبغى التفريق بين العبادة التى لها كيفية محددة بنص شرعى، وبين العادات والوسائل التى يتقرب بها الإنسان إلى الله من خلال أمور مشروعة فى أصلها، فإذا اجتمع الناس لقراءة القرآن، والصلاة على النبي، وسماع سيرته، وإطعام الطعام، والدعاء، فهذه أعمال مشروعة فى ذاتها. ولا ينبغى أن نجعل اجتماعها فى مناسبة لتذكر مولد النبى صلى الله عليه وسلم سببًا للخصومة بين المسلمين، والأهم أن يكون الاحتفال منضبطًا بالشرع، وألا يتضمن غلوًا أو منكرات أو اعتقادات باطلة.
هل تعتقدون أن بعض مظاهر الاحتفال الحالية تحتاج إلى مراجعة؟
بالتأكيد.. لأن محبة النبى صلى الله عليه وسلم لا تعنى فعل شيء باسم المحبة، المحبة الحقيقية تقتضى الاتباع والاقتداء بالأخلاق النبوية، وإذا وجدنا فى بعض الاحتفالات مظاهر لا تليق، فيجب تصحيحها، لأننا نريد أن يكون المولد مناسبة لتجديد الصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس مناسبة للخلاف أو الإسراف أو المبالغة.
البعض يرى أن التصوف بالغ أحيانًا فى مظاهر الاحتفال وتعظيم الأولياء.. كيف تردون؟
التصوف الصحيح قائم على تزكية النفس والالتزام بالكتاب والسنة، وليس قائمًا على الغلو فى الأشخاص، ونحن نرفض الغلو أيًا كان مصدره، لأن النبى صلى الله عليه وسلم نفسه حذر من الغلو، أما محبة الصالحين وتعظيم أهل العلم والفضل، فهذا أمر مختلف عن الغلو، المطلوب هو التوازن؛ فنحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وصحابته وأولياء الله الصالحين، ولكن مع الحفاظ على التوحيد والعقيدة الصحيحة.
كيف تنظرون إلى ما يوصف أحيانًا بتشدد بعض التيارات الشيعية أو الروافض فى إقامة مظاهر الاحتفال والمناسبات الدينية؟
ينبغى ألا نعمم على جميع أتباع أى مذهب أو طائفة، فداخل كل جماعة اتجاهات ومدارس متعددة، لكننا نرفض أى ممارسة تتجاوز حدود الشرع أو تتحول إلى وسيلة لإثارة الكراهية والفرقة بين المسلمين، فالمناسبات الدينية ينبغى أن تكون وسيلة لتذكير الناس بالدين والأخلاق والقيم، لا وسيلة لتكريس الصراع المذهبى أو الإساءة إلى رموز المسلمين، والأصل الذى يجمعنا أكبر من الخلافات، ولذلك يجب أن نبحث دائمًا عن نقاط الاتفاق، وأن نحذر من تحويل المناسبات الدينية إلى ساحات للصراع الطائفي.
هل يمكن أن يتحول المولد النبوى من مجرد مناسبة سنوية إلى مشروع دائم للتعريف بسيرة النبى صلى الله عليه وسلم؟
هذا هو المطلوب.. المولد الحقيقى لا ينبغى أن ينتهى بانتهاء يوم الاحتفال، نحن بحاجة إلى أن تكون سيرة النبى صلى الله عليه وسلم حاضرة فى مدارسنا ومساجدنا وبيوتنا وإعلامنا، ونريد أن يعرف الشباب كيف كان النبى صلى الله عليه وسلم رحيمًا، وكيف كان يتعامل مع المخالف، وكيف كان يحفظ الحقوق، وكيف كان يُربِّى أصحابه، وكيف كان يواجه الأزمات بالحكمة والصبر، وإذا خرجنا من المولد ونحن أكثر التزامًا بأخلاق النبى صلى الله عليه وسلم، فقد حققنا الغاية الحقيقية.
ما الرسالة التى توجهونها إلى الشباب فى ذكرى المولد النبوى؟
أقول للشباب: لا تجعلوا علاقتكم بالنبى صلى الله عليه وسلم مرتبطة بموسم أو مناسبة، واجعلوا سيرته منهج حياة، واقرأوا سيرته، وتعلموا أخلاقه، وأكثروا من الصلاة والسلام عليه، واعرفوا كيف كان رحيمًا بالناس، وكيف كان عادلاً، وكيف كان يحترم الإنسان، وكيف كان يجمع ولا يفرق، وأعظم احتفال بالنبى صلى الله عليه وسلم هو أن نحمل أخلاقه فى حياتنا، وأن نكون صورة صادقة عن رحمته وسماحته ووسطيته.
وكيف تقدمون التصوف المصرى لمن لا يعرف حقيقته بعيدًا عن الصور النمطية؟
التصوف فى جوهره ليس مظهرًا أو طقسًا منفصلاً عن الدين، وإنما هو اهتمام ببناء الإنسان من الداخل، وتزكية النفس، والارتقاء بالأخلاق والسلوك، وربط الإنسان بخالقه، وفى الوقت نفسه ربطه بمجتمعه ووطنه، والتصوف الصحيح لا يمكن أن يتعارض مع الشريعة، لأن جوهره يقوم على الالتزام بالدين والأخلاق وحسن المعاملة، ولذلك فإننا عندما نتحدث عن التصوف المصرى فإننا نتحدث عن مدرسة تاريخية تركت أثرًا كبيرًا فى المجتمع المصري، ليس فقط من خلال الجانب الروحي، وإنما أيضًا من خلال التعليم والعمل الاجتماعى وخدمة الناس، وأعتقد أن أهم ما يحتاجه الإنسان اليوم هو استعادة البعد الأخلاقى فى حياته؛ لأن أزمة المجتمعات ليست دائمًا فى نقص المعلومات، وإنما أحيانًا فى غياب الضمير.
البعض يرى أن التصوف يمثل خط دفاع مهم فى مواجهة الفكر المتطرف.. هل تتفقون مع ذلك؟
بالتأكيد.. ولكن ينبغى أن نفهم المسألة بصورة أوسع، مواجهة التطرف ليست مسئولية مؤسسة دينية واحدة، وإنما هى مسئولية المجتمع كله، التطرف يبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى كراهية، وعندما يعتقد الإنسان أنه وحده يمتلك الحقيقة، وأن الآخرين لا حق لهم فى الحياة أو التعبير أو الاختلاف، والتصوف بما يحمله من قيم الرحمة والتسامح وقبول الآخر يمكن أن يسهم بقوة فى مواجهة هذه الأفكار، لكنه لا يستطيع أن يقوم بالمهمة وحده، نحن بحاجة إلى تكامل بين الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والإعلام والثقافة.
هل هناك بعض الممارسات داخل الطرق الصوفية تحتاج إلى مراجعة؟
أى عمل بشرى يحتاج إلى مراجعة مستمرة، ونحن لا ندعى أن كل ممارسة يقوم بها أى شخص منتسب إلى التصوف تمثل التصوف نفسه، هناك فرق كبير بين المنهج الصوفى وبين بعض الممارسات الفردية، ولذلك يجب أن نكون أول من يواجه أى ممارسة خاطئة أو سلوك يسيء إلى الدين أو إلى صورة التصوف، وفى الوقت نفسه، يجب ألا نحكم على مدرسة كاملة من خلال تصرف فرد أو مجموعة من الأفراد، المطلوب هو الحفاظ على جوهر التصوف، وفى مقدمة ذلك العلم والأخلاق والالتزام والرحمة وخدمة المجتمع.
هل تؤيدون دخول الطرق الصوفية بقوة إلى عالم السوشيال ميديا؟
هذا أمر ضروري، وليس رفاهية السوشيال ميديا أصبحت جزءًا من حياة الناس، وبالتالى لا يمكن أن نترك هذه المساحة خالية من الخطاب الدينى الرشيد، لكن الوجود على الإنترنت يحتاج إلى احترافية، لا يكفى أن نضع محاضرة طويلة على منصة إلكترونية وننتظر أن يشاهدها الشباب، نحتاج إلى محتوى قصير وجذاب وعميق، وإلى شباب متخصص فى الإعلام والإخراج والتكنولوجيا، وإلى علماء قادرين على تقديم المعلومة بصورة صحيحة، وأنا أرى أن لدينا تراثًا صوفيًا هائلاً يمكن تقديمه للأجيال الجديدة بأساليب حديثة، شرط ألا نحوله إلى مجرد مادة تراثية، وإنما نربطه بحياة الإنسان المعاصر.
كيف تصفون العلاقة بين الطرق الصوفية والأزهر الشريف؟
الأزهر مؤسسة علمية عريقة، وله مكانته الكبيرة فى وجدان المصريين والعالم الإسلامي، والطرق الصوفية جزء من النسيج الدينى والاجتماعى المصري، والأصل هو التعاون والتكامل، لأن الهدف فى النهاية واحد، وهو خدمة الدين والمجتمع والحفاظ على الوسطية والاعتدال، وأعتقد أن الفترة المقبلة تحتاج إلى مزيد من التعاون بين المؤسسات الدينية والثقافية والمجتمعية، لأن التحديات أصبحت أكبر من قدرة مؤسسة واحدة على مواجهتها.
هل يحتاج الخطاب الصوفى إلى تجديد؟
التجديد ضرورة، ولكن علينا أن نفرق بين تجديد الخطاب وتجديد الثوابت، والثوابت لا تتغير، لكن طريقة عرضها يمكن أن تتطور، والرسالة الدينية التى وصلت إلى الإنسان قبل مئات السنين يمكن أن تصل إلى الإنسان اليوم، لكن الأدوات واللغة والأساليب يجب أن تكون قادرة على مخاطبة واقعه، ونحن بحاجة إلى خطاب يربط الدين بالحياة، ويقدم حلولاً لمشكلات الناس، ويؤكد أن التدين ليس انعزالاً عن المجتمع، وإنما مسئولية وأخلاق وعمل وإتقان.
ماذا يمكن أن تقدم الطرق الصوفية للدولة والمجتمع؟
يمكنها أن تقدم الكثير من خلال بناء الوعي، والعمل الاجتماعي، ودعم قيم المواطنة والانتماء، ومواجهة الشائعات والأفكار المتطرفة، الوطن يحتاج إلى كل أبنائه، والمؤسسات الدينية والمجتمعية يمكن أن تقوم بدور مهم فى الحفاظ على تماسك المجتمع، والتصوف المصرى عبر تاريخه لم يكن منفصلاً عن المجتمع، وإنما كان حاضرًا فى حياة الناس، ولذلك يمكن تطوير هذا الدور بما يتناسب مع احتياجات العصر.
هل تعتقدون أن هناك فجوة بين القيادات الصوفية والأجيال الجديدة؟
لا أنكر أن هناك فجوة تحتاج إلى العمل على تقليصها، لكن الحل ليس أن نلوم الشباب، وإنما أن نسأل أنفسنا هل نقدم لهم ما يحتاجونه؟ هل نستمع إلى أسئلتهم؟ هل نستخدم لغتهم؟ هل نعرف طبيعة العالم الذى يعيشون فيه؟ وإذا أردنا أن يستمع الشباب إلينا، فعلينا أولاً أن نستمع إليهم، وهذا مبدأ مهم فى الدعوة: لا تستطيع أن تؤثر فى إنسان لا تفهمه، والأسرة المصرية فى حاجة إلى استعادة دورها.
هل الأزمة الأخلاقية التى نعيشها اليوم دينية أم اجتماعية؟
هى أزمة مركبة، ولا يمكن اختزالها فى سبب واحد، والأسرة لها دور، والمدرسة لها دور، والإعلام له دور، والمؤسسات الدينية والثقافية لها دور وأحيانًا نطلب من المؤسسة الدينية أن تصلح ما أفسدته عشرات العوامل الأخري، وهذا غير منطقى الأسرة هى المدرسة الأولي، وإذا نشأ الطفل على احترام الآخر والصدق والأمانة وتحمل المسئولية، فسوف يحمل هذه القيم معه طوال حياته.
كيف ينظر التصوف إلى ظواهر مثل التنمر والعنف الأسرى؟
هذه الظواهر تكشف عن خلل فى منظومة الأخلاق، والدين لا يمكن أن يكون منفصلاً عن التعامل اليومي، فإذا كان الإنسان يصلى ويصوم ثم يؤذى الآخرين، فهناك مشكلة فى فهمه لمعنى العبادة، ونحن بحاجة إلى أن نعيد التأكيد على أن العبادة ليست فقط علاقة بين الإنسان وربه، وإنما لها آثار واضحة فى سلوكه مع الناس
كيف تنظرون إلى الذكاء الاصطناعى وتأثيره على الخطاب الدينى؟
الذكاء الاصطناعى أداة، والأداة يمكن أن تستخدم فى الخير أو فى غيره، ويمكننا استخدامه فى توثيق التراث، وإتاحة الكتب، وترجمة المحتوي، والوصول إلى شرائح جديدة من الجمهور، ولكن لا ينبغى أن يتحول إلى بديل عن العالم المتخصص، خصوصًا فى القضايا الدينية التى تحتاج إلى فهم للنص والسياق والواقع، والتكنولوجيا يمكن أن تساعد العالم، لكنها لا تلغى دور الإنسان ولا تلغى قيمة العلم والتخصص.
هل النقد يزعجكم؟
النقد الموضوعى ضرورى، لأنه يساعد على اكتشاف الأخطاء وتصحيحها، والمؤسسة التى لا تقبل النقد تتحول مع الوقت إلى مؤسسة مغلقة على نفسها، لكننا نفرق بين النقد البناء الذى يستهدف الإصلاح، وبين الهجوم الذى يقوم على معلومات غير صحيحة أو أحكام مسبقة، ونحن نرحب بالنقد، ونسعى إلى أن يكون الحوار هو الوسيلة الأفضل لفهم التصوف وتقييم دوره.
إذا أردتم تحديد أولويات المرحلة المقبلة للطرق الصوفية، فما هى؟
أرى أن الأولوية الأولى هى بناء الإنسان.. ثم يأتى بعد ذلك تجديد الخطاب، وتأهيل الدعاة والمشايخ، والاهتمام بالشباب، وتوسيع العمل الاجتماعي، والاستفادة من التكنولوجيا، والحفاظ على التراث وتوثيقه، ونحن نريد أن ينتقل التصوف من مجرد كونه حاضرًا فى المناسبات إلى أن يكون حاضرًا فى حياة الناس اليومية.
ماذا تقولون لشاب يشعر بالإحباط وسط عشرات الخطابات الدينية؟
أقول له: لا تتعجل، ولا تجعل أحدًا يحتكر عقلك، تَعلَّم، واسأل أهل العلم، واقرأ، وفكر، ولا تجعل مقطعًا قصيرًا على وسائل التواصل الاجتماعى يصنع لك رؤية كاملة عن الدين والحياة، والدين فى جوهره رحمة وأخلاق ومسئولية، وليس خوفًا دائمًا أو صراعًا مستمرًا، وأقول له أيضًا: لا تيأس من نفسك، فالإنسان يمكنه دائمًا أن يبدأ من جديد.
وأخيرًا.. عندما يذكر الناس التصوف المصرى بعد مائة عام، ماذا تتمنون أن يقولوا عنه؟
أتمنى أن يقولوا إنه كان مدرسة فى المحبة والأخلاق، وأن أبناءه أسهموا فى بناء مجتمعهم وخدمة وطنهم، وأنهم حافظوا على الوسطية والاعتدال، ونجحوا فى نقل القيم الدينية إلى الأجيال الجديدة دون جمود أو انغلاق، وأتمنى أن يبقى التصوف المصرى صوتًا للرحمة، وأن يظل مرتبطًا بالعلم والعمل وخدمة الناس، فإذا كان التصوف هو تزكية للنفس، فإن أعظم دليل على نجاحه هو أن يصبح الإنسان بعد هذه التربية أكثر رحمة بالناس، وأكثر صدقًا، وأكثر إحساسًا بمسئوليته تجاه وطنه ومجتمعه.









