هناك تحول يجري داخل الولايات المتحدة، وربما يكون من أهم ملامح المرحلة الدوليه المقبلة. وهو تحول لا يمكن اختزاله في دونالد ترامب، ولا في الانتخابات، ولا في الاستقطاب السياسي المتزايد في واشنطن.
فما يحدث أعمق من ذلك. تتغير أمريكا تحت تأثير تحولات اجتماعية واقتصادية وديموغرافية وتكنولوجية متداخلة، تعيد تدريجيًا تشكيل أولويات المواطن الأمريكي وتوقعاته ونظرته إلى الاقتصاد والدولة ومستقبل الأجيال القادمة.
وربما يكون الاقتصاد هو نقطة البداية الأكثر وضوحًا.
ارتفاع تكاليف السكن والرعاية الصحية والتعليم والغذاء، إلى جانب أعباء الديون وصعوبة الادخار، أصبح جزءًا من الحياة اليومية لملايين الأمريكيين.
ويؤكد أحدث مسح للاحتياطي الفيدرالي أن ارتفاع الأسعار ظل أكثر مصادر القلق المالي شيوعًا في 2025، رغم أن الوضع المالي العام للأسر ظل مستقرًا نسبيًا.
فقد قال 73% من الأمريكيين إنهم يعيشون بصورة مريحة أو أنهم «على ما يرام» ماليًا، لكن هذا المتوسط يخفي تفاوتًا واضحًا بين الأجيال والدخول.
وهذه نقطة مهمة في قراءة المشهد الأمريكي: الاقتصاد لا ينهار، وسوق العمل لا يزال صلبًا نسبيًا، لكن الشعور بالأمان الاقتصادي ليس موزعًا بالتساوي.
والأهم أن هذه الضغوط لم تعد محصورة في الفئات الأكثر فقرًا. فحتى قطاعات من الطبقة الوسطى أصبحت تتساءل عما إذا كان العمل الجاد لا يزال يوفر مستوى الأمان والحراك الاجتماعي الذي كانت الأجيال السابقة تتوقعه.
وتظهر هنا بوضوح المشكلة الجيلية.. فالأجيال الشابة تبدأ حياتها المهنية والأسرية في ظروف مختلفة عن تلك التي واجهها آباؤها وأجدادها.
وتشير بيانات الاحتياطي الفيدرالي إلى فجوة واضحة في الإحساس بالاستقرار المالي بين الشباب وكبار السن، بينما أصبح الحصول على مسكن بالنسبة إلى كثير من الشباب أكثر صعوبة.
- ومن ثم لم يعد السؤال فقط: هل ينمو الاقتصاد؟ بل أيضًا: من يستفيد من هذا النمو، وكيف ينعكس على حياة الأمريكيين؟
وهنا تساعد بعض مفاهيم علم السياسة على فهم التحول.
فإعادة الاصطفاف السياسي لا تحدث بالضرورة نتيجة تغير أيديولوجي مفاجئ؛ فقد تبدأ عندما تؤدي التحولات الاجتماعية والاقتصادية إلى تغيير أولويات الناخبين وإعادة تشكيل التحالفات السياسية.
كما أن مفهوم «الحرمان النسبي» يكتسب أهمية في هذا السياق. فالشعور بعدم العدالة لا ينتج بالضرورة عن الفقر المطلق، وإنما قد ينشأ من الفجوة بين ما يتوقعه الناس لأنفسهم وما يرونه متاحًا لهم فعليًا.
وعندما يشعر جيل كامل بأن فرصه أقل من فرص الجيل السابق، يمكن لهذا الشعور الاقتصادي أن يتحول إلى قوة سياسية.
من هذه الزاوية يمكن فهم سلسلة التحولات السياسية الأمريكية خلال العقدين الماضيين.
كان انتخاب باراك أوباما عام 2008 تعبيرًا عن أمريكا أكثر تنوعًا وتغيرًا من الناحية الديموغرافية والجيلية، وحمل رسالة قوية عن إمكانية تجديد الحياة السياسية الأمريكية.
لكن لحظة أوباما لم تضع حدًا للتحديات الاقتصادية. فقد استمرت آثار الأزمة المالية، والتعافي غير المتكافئ، والتحولات في سوق العمل، والعولمة، والتراجع الصناعي في بعض المناطق، في تشكيل المزاج السياسي.
وجاء صعود دونالد ترامب باعتباره رد فعل مختلفًا.
فقد تحدى جوانب من العولمة، وسياسات التجارة والهجرة، والمؤسسات السياسية التقليدية، وبعض جوانب الدور الأمريكي في الخارج، وركز على الحدود والسيادة والمصلحة الاقتصادية الوطنية.
وقد وجد هذا الخطاب صدى لدى قطاعات شعرت بأن فوائد التغيير الاقتصادي لم توزع بصورة عادلة.
لكن ترامب ليس بداية هذا التحول، ولن يكون بالضرورة من يحدد نهايته. فقد ساهم في إظهار اتجاهات كانت تتشكل بالفعل داخل المجتمع الأمريكي.
ويظهر ذلك بصورة أوضح مع صعود جيل سياسي جديد.
يمثل جي دي فانس، من داخل التيار المحافظ، محاولة لإعادة صياغة بعض القضايا المرتبطة بالطبقة العاملة والتراجع الصناعي وآثار العولمة والأمان الاقتصادي.
وفي الجانب الآخر، يعكس صعود زهران ممداني وعبد السيد اهتمامًا متزايدًا لدى جيل سياسي شاب بقضايا السكن وتكاليف المعيشة والخدمات العامة والرعاية الصحية والحراك الاقتصادي.
ولا ينبغي وضع هذه الشخصيات في إطار سياسي واحد؛ فهي تختلف فكريًا وانتخابيًا بصورة كبيرة.
لكن أهميتها تكمن في أنها تمثل استجابات مختلفة للتحول الاجتماعي والاقتصادي نفسه.
أوباما جسد جانبًا من أمريكا المتغيرة. ترامب عبّر عن رد فعل على جوانب من العولمة والنظام القائم. فانس يمثل محاولة داخل المحافظية الأمريكية لإعادة تعريف علاقتها بالطبقة العاملة، بينما يعكس ممداني وعبد السيد صعود تيارات شابة تجعل القدرة على تحمل تكاليف الحياة والخدمات العامة في قلب النقاش السياسي.
ومن ثم، فإن الرابط بين هذه الظواهر ليس العرق أو الدين أو الهوية بقدر ما هو التغير الاجتماعي والاقتصادي.
وهذا مهم أيضًا في فهم التغير الديموغرافي وقوة العمل الأمريكية.
فالعاملون من أصول لاتينية أصبحوا عنصرًا أساسيًا في الاقتصاد الأمريكي، ليس فقط في الساحل الغربي والجنوب الغربي، وإنما أيضًا في الساحل الشرقي والغرب الأوسط ومناطق أخرى.
ويمتد حضورهم إلى الزراعة والبناء والتصنيع والنقل والخدمات والرعاية الصحية وقطاعات مهنية وريادية متزايدة. وتؤكد بيانات مكتب إحصاءات العمل الوزن المتزايد للعمال اللاتينيين في قوة العمل الأمريكية، بما يجعلهم جزءًا أساسيًا من مستقبل الاقتصاد الأمريكي.
وهذا ليس مجرد تحول سكاني، بل واقع اقتصادي يرتبط بمستقبل سوق العمل والإنتاجية والنمو، خصوصًا مع تقدم السكان في السن وتغير حجم قوة العمل.
ولا يمكن فصل النقاش حول الهجرة بصورة كاملة عن النقاش حول الاقتصاد وسوق العمل.
كما لا ينبغي تفسير التحول الأمريكي باعتباره صراعًا بين أعراق أو أديان. فالقضايا التي تحرك جزءًا متزايدًا من النقاش العام هي في جوهرها اقتصادية واجتماعية: السكن، والعمل، والرعاية الصحية، والتعليم، والأسعار، والقدرة على بناء مستقبل أفضل.
وتصل هذه الضغوط إلى قطاع الأعمال والصناعة.
فالشركات الأمريكية تواجه ارتفاع التكاليف، وتغير سلوك المستهلكين، وضغوط سوق العمل، وتحديات التمويل، في الوقت الذي يُطلب منها تعزيز التصنيع المحلي وتأمين سلاسل الإمداد والاستثمار في التكنولوجيا.
وفي هذا السياق تبرز المنافسة الصينية، ليس فقط بين الشركات العملاقة، وإنما أيضًا من خلال حضور الشركات الصينية الصغيرة والمتوسطة في الأسواق وسلاسل الإمداد الأمريكية.
وهذا يخلق معادلة دقيقة: الولايات المتحدة تريد حماية قدراتها وصناعاتها الاستراتيجية، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى المنافسة والابتكار والانفتاح الذي كان من مصادر قوتها الاقتصادية.
العامل الأمريكي، والمستهلك، والمشروع الصغير، والشركة الصناعية، أصبحوا جميعًا جزءًا من هذه المعادلة.
وتنعكس هذه القضايا بوضوح في الإعلام الأمريكي. فتكاليف المعيشة والسكن والفقر والعمل والرعاية الصحية والتحول الصناعي والمنافسة مع الصين تحظى بتغطية واسعة في نيويورك تايمز وواشنطن بوست ووول ستريت جورنال وشيكاغو تريبيون، وكذلك عبر الشبكات الإخبارية الكبرى.
لكن قراءة هذه التطورات تختلف بشدة من مؤسسة إلى أخرى.
بعضها يركز على عدم المساواة وتراجع الحراك الاقتصادي، وبعضها على الضرائب والتنظيم والهجرة، وبعضها على القدرة التنافسية للشركات والصناعة.
وهذا الانقسام الإعلامي يعكس بدوره الانقسام السياسي الأمريكي، ويجعل فهم المجتمع الأمريكي يتطلب النظر إلى أكثر من رواية واحدة.
وتأتي انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026 في لحظة مهمة.
فهي لن تكون مجرد منافسة بين الجمهوريين والديمقراطيين، وإنما اختبار لكيفية ترجمة هذه الضغوط الاجتماعية والاقتصادية إلى سلوك انتخابي.
وتشير استطلاعات حديثة إلى أن تكلفة المعيشة والاقتصاد يحتلان موقعًا مركزيًا في تفكير الناخبين قبل انتخابات نوفمبر، بما يجعل الأداء الاقتصادي عاملًا رئيسيًا في تشكيل المزاج الانتخابي.
هل ستكون تكاليف المعيشة، والقلق الجيلي، والعمل والسكن والرعاية الصحية، أقوى من الولاءات الحزبية التقليدية؟
أم أن الاستقطاب السياسي سيظل العامل الأكثر تأثيرًا؟
لا يمكن معرفة الإجابة مسبقًا، لكن الانتخابات ستوفر قراءة مهمة للمزاج الأمريكي وللاتجاه الذي قد تتخذه السياسة خلال السنوات المقبلة.
والأهم أن هذه العملية ليست نتاج ترامب وحده.
فالتغيرات الاقتصادية والديموغرافية والجيلية والتكنولوجية كانت موجودة قبله، وستستمر بعده.
وهذا ما يجعل العقد الجديد مختلفًا.
إنها ليست بالضرورة أزمة أمريكية، كما أنها ليست بالضرورة بداية انحدار. والأدق أنها مرحلة إعادة تعريف لما يعنيه النجاح الاقتصادي، وما الذي تتوقعه الأجيال الجديدة من الدولة، وكيف يمكن لأمريكا أن تحافظ على قدرتها التنافسية مع الحفاظ على تماسكها الاجتماعي.
فأمريكا تتغير، لكن التغير لا يعني بالضرورة التفكك.
قد يختلف الأمريكيون في العرق والدين والسياسة والظروف الاقتصادية والأصول وتاريخ العائلات، وقد يختلفون بشدة حول مستقبل بلادهم.
لكن خلف هذه الاختلافات يوجد شعور أعمق يمكن ملاحظته عند النظر إلى المجتمع الأمريكي من الداخل:
أمريكا بالنسبة إليهم وطن.
قد يختلفون حول كيفية حماية الوطن الأمريكي ، وكيفية إدارة اقتصاده، وتوزيع الفرص، ودوره في العالم، لكن الانتماء إليه يظل رابطًا أقوى مما توحي به أحيانًا حدة الخطاب السياسي.
ومن هنا لا يمكن قراءة التحول الداخلي الأمريكي بمعزل عن الشرق الأوسط.
فالسياسة الخارجية لا تُصنع في فراغ، وإنما تتأثر بصورة متزايدة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمع الأمريكي.
وكلما أصبحت تكلفة المعيشة، وأسعار الطاقة، وفرص العمل، وأعباء الأجيال الجديدة أكثر حضورًا في حسابات الناخب، أصبح السؤال عن كلفة الانخراط العسكري الأمريكي في الخارج أكثر حساسية.
ويظهر الشرق الأوسط بصورة خاصة في هذه المعادلة. فالحرب مع إيران وتداعياتها على أسعار الطاقة وممرات التجارة تقدم مثالًا مباشرًا على التداخل بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية.
فمضيق هرمز، وأسعار النفط، وأمن الملاحة، أصبحت جميعها قضايا ذات انعكاسات اقتصادية مباشرة على المواطن الأمريكي.
وهنا يصبح الشرق الأوسط بالنسبة إلى المواطن الأمريكي أقل بعدًا مما قد يبدو.
فمضيق هرمز، وأسعار النفط، وسلاسل الإمداد، وكلفة الانتشار العسكري، يمكن أن تنتقل بصورة مباشرة من الجغرافيا الاستراتيجية إلى محطة الوقود ثم إلى ميزانية الأسرة الأمريكية.
ومن هنا قد تشهد السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة قدرًا أكبر من التركيز على تقليل المخاطر وكلفة الانخراط، والبحث عن ترتيبات إقليمية قادرة على تقاسم أعباء الأمن، بدل الاعتماد المستمر على القوة الأمريكية وحدها.
وهذا لا يعني بالضرورة انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة. فالشرق الأوسط لا يزال مرتبطًا بأمن الطاقة، وأمن إسرائيل، ومكافحة الإرهاب، والممرات البحرية، والمنافسة مع الصين، ومصالح حلفاء واشنطن.
لكنه قد يعني أن واشنطن ستصبح أكثر اهتمامًا بالسؤال: ماذا تحصل الولايات المتحدة في المقابل، وما الذي يمكن أن تتحمله سياسيًا واقتصاديًا؟
وربما يكون الدرس الأهم لدول الشرق الأوسط هو أن قراءة الولايات المتحدة لم تعد ممكنة من خلال مواقف الإدارة وحدها. فكلما ازدادت الضغوط الاجتماعية والاقتصادية داخل المجتمع الأمريكي، أصبحت قدرة أي إدارة على تحمل أعباء عسكرية وسياسية طويلة الأمد أكثر ارتباطًا بحسابات الداخل.
وهذا لا يعني تراجع الدور الأمريكي، لكنه يعني أن دول المنطقة ستحتاج إلى الاعتماد بدرجة أكبر على قدراتها الدبلوماسية والإقليمية، وعلى بناء ترتيبات أمنية قادرة على احتواء الأزمات قبل أن تتحول إلى مواجهات تستدعي تدخلًا خارجيًا واسعًا.
فالتحول الذي يجري داخل أمريكا قد لا يغيّر اهتمامها بالشرق الأوسط، لكنه قد يغيّر الطريقة التي تريد بها أن تتعامل معه.
ومن هنا تأتي أهمية أن تقرأ دول الشرق الأوسط التحول الأمريكي من الداخل، لا انتظار نتائجه في واشنطن.








