أخيراً اكتشفت بعض شاشات التليفزيون المصرى أن لديها ثروة من الأفلام السينمائية لا تستفيد بها، ولا تقترب منها، وان لديها ايضاً أوقات عديدة بلا برامج، وبالتالى فإن الفيلم يعوضها، وللدرجة التى أتاحت لى ولكثيرين غيرى رؤية أفلام لها تاريخ طويل، قرأنا عنها غالبا ولم نرها أو رأيناها ونسيناها، وهو ما يجعلنا كمشاهدين نقع فى حيرة احيانا من القصة التى يقدمها هذا الفيلم، أو ذاك، ومن الزمن نفسه وهل تتشابه الأفكار فيه لهذه الدرجة، أم أننا خاصمنا التطور؟، أفلام مثل «الطاووس» لنور الشريف وليلى طاهر ورغدة وتأليف عبدالحى أديب وإخراج كمال الشيخ، و«الجلسة سرية» لمحمود ياسين وشهيرة ويسرا وتأليف نبيل عصمت وإخراج محمد عبدالعزيز، و«طائر الليل الحزين» لمحمود مرسى ونيللى ومحمود عبدالعزيز وتأليف وحيد حامد وإخراج يحيى العلمى وغيرها من الأفلام التى يبدأ تاريخها مبكرا مع بدايات السينما المصرية، ولكن الأكثر تألقا فيها هى أفلام الثمانينيات والتسعينيات، إلا ان الغريب هنا هو فيلم من إنتاج الخمسينيات قدم لنا ما نراه فى مجتمعنا اليوم، بعد سبعين عاما من الثورات ومتغيرات الحياة فى مصر والعالم، الفيلم هو «هذا هو الحب»، بالأبيض والأسود، عرض فى أكتوبر عام 1958، والفه محام وكاتب هو محمد كامل حسن المحامى الذى درس بكلية الشرطة ثم ذهب الى الحقوق ليصبح محاميا، وبعدها ذهب الى الكتابة للقصص البوليسية وبعدها الى السينما ليقدم فيها حوالى أربعين فيلما بداية من فيلم «حب من السماء» عام 1943 وحتى فيلم «زوجة غيورة جداً» عام 1969، وكان « هذا هو الحب» ضمن اهم الأفلام التى كتبها عن قضايا المجتمع المصرى وقتها ولهذا اختاره صلاح أبوسيف مخرج الواقعية الكبير ليخرجه وليقدم فيه النجمة الجديدة لبنى عبدالعزيز فى فيلمها الثاني بعد نجاحها الكبير فى فيلمها الأول معه (الوسادة الخالية- 1957) وفى قصة تدور حول مواجهة صراع زوجى مع نجم كبير وقتها هو يحيى شاهين، والغريب هنا ان القصتين تتشابهان فى بدايتها فى الفيلمان، ففى الوسادة الخالية يرفض أهل البطلة زواجها من صلاح «عبدالحليم حافظ» الذى تحبه ويحبها ويفضلون عليه عريس ناجح ومتحقق مادياً، اماً فى الفيلم الثانى فالعريس نفسه هو من يرفض زوجته بعد الزواج لأنه يرفض ان تكون زوجته قد عرفت رجلا غيره بعد الزواج، ولو حتى صديقا لأخيها يحضر الى بيت الأسرة.
أيهما هو الحب؟
فى «هذا هو الحب» يفاجئنا الفيلم بشخصية الزوج حسين المهندس الشاب الذى يعيش حياته بحرية مع اصدقائه،ويشاركهم الاهتمام بما يفعله الجيران وتتبع ابنتهم الجميلة عبر الشباك المقابل، وبرغم كل هذا الشغف، الذى تحول لقصة حب من الشباك، ودفع والدة المهندس حسين «مارى منيب» إلى دق باب بيت الجيران لطلب يد شريفة ابنتهم من أمها «فردوس محمد»، وفى مشهد تاريخى تقوم أم العريس باختبار شريفة، وهل هى مجرد شكل جميل أم أنها قوية صحيا وبدنيا وحتى أسنانها قادرة على تفتيت الجوز واللوز! وهو ما يغضب أمها التى تدرك ان ابنتها فى امتحان عسير مع حماة من هذا النوع، بينما تكتشف الابنة نفسها أنها فى امتحان أصعب مع رجل قبلت به وأحبته قبل ان تكتشف بعد الزواج مدى ضيق افقه وتزمته وغضبه لمعرفته ان صديق لأخيها كان قد تقدم لخطبتها، ولتبدأ معركة غير منطقية بين زوجان جديدان يقوم فيها الزوج بمحاولات لإثبات ذكوريته ونفوذه على من أحبته وأصبحت بالفعل زوجته وشريكته فى بيت واحد، ولتصبح القضية هى، لماذا وكيف كل هذا الغضب والتعنت لحسين فى علاقته بزوجة احبها وأحبته؟ ولماذا لم يقتنع بما رآه منها قبل الزواج وبعده؟ وهل يعنى الحب كل هذه القسوة وفرض أفكار ليست لها علاقة بالواقع من الزوج على زوجته؟ والحقيقة أن هذه الأفكار لا زالت موجودة بعد سبعين عاما من إنتاج الفيلم وعرضه، أى ثلاثة ارباع قرن من الزمان لم تنته فيها القضية، ولا العنف الزوجى وما ينتج عنه وجعلت المجتمع المصرى من أكثر مجتمعات العالم فى معدلات الطلاق من خلال الأبحاث والدراسات المصرية أولاً ثم العالمية، وبرغم ان نهاية الفيلم تستعيد المشاعر الحقيقية لكل من «حسين وشريفة» بعد الفراق والطلاق، وبعد ان قرر أبيها وأمها «حسين رياض وفردوس محمد» الرد على ظلمه لها والقبول بزواجها من شاب كان يعرف العائلة ويحلم بالزواج منها، إلا أن الفيلم يستعيد الفكرة الأهم له فى قمة الحدث، يوم الزواج الجديد، وهى أن شريفة احبت حسين وهو احبها، وان بقاء الحب هو عمود الاستمرار فى الحياة وبناء الأسرة وليس الفراق، وهو ما قدمه المخرج ببراعة فى المشهد قبل الأخير، وزحام المعازيم فى بيت عائلة شريفة التى ارتدت فستان فرح جديد وغابت ابتسامتها بل طغى شعورها بالألم من زواج لا تريده، أماً حسين فقد شعر بأنه فقد حب عمره بتهوره الرجولى وطلاقه لها، لتأتى النهاية من عندها، حين ترفض شريفة عقد الزواج الثانى أمام الجميع وتنطلق هاربة إلى الشقة المقابلة لتقابل حبيبها الوحيد، ولتثبت أنها الأكثر شجاعة منه انه فيلم عن زمننا هذا وليس فقط عن الخمسينيات، ففيه الكثير من التفاصيل المهمة عن سلوك العائلة، والأم، والمطالب المادية الصعبة، وفيه الأهم، وهو هذا الاعتزاز بالنفس الذكورية واعتبار ان ما يفكر فيه الرجل هو الصح، والحق.









