هناك انتخابات لا تُقاس بنتائجها فحسب، بل بما تكشفه عن «بنية الدولة» العميقة، والانتخابات الإسرائيلية المقررة فى اكتوبر 2026، ليست مجرد استحقاق ديمقراطى عابر، بل هى مرآة تعكس أزمة هوية، وانقساماً مجتمعياً، وإجماعاً خطيراً على قضايا المصير، فمصطلح «رالاب» «أى شخص إلا بيبى» الذى يشيع فى الأروقة الإسرائيلية، ليس مجرد شعار انتخابي، بل هو اعتراف ضمنى بأن المشكلة ليست فى «الرجل»، بل فى «النظام» الذى أنتجه.
فى أى ديمقراطية صحية، يفترض أن تكون الانتخابات فرصة للمحاسبة والمواجهة العلنية للسياسات.. لكن فى إسرائيل، يكشف المشهد الإعلامى عن واقع مختلف، فالجماهير الإسرائيلية ستتعرف على المرشحين عبر أربع قنوات تليفزيونية رئيسية، التزمت جميعها «صمتاً مريباً» إزاء ما يحدث فى غزة.
لا تنقل هذه القنوات سوى أشد أعمال العنف تطرفاً من قبل المستوطنين فى الضفة الغربية، وتتكتم على الدمار فى جنوب لبنان، ولا تمنح مساحة للأصوات المعارضة التى تحمل رؤية مختلفة للحقيقة. النتيجة المتوقعة: أن السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين ولبنان لن تكون محوراً فى الانتخابات، لأن الناخب الإسرائيلى ببساطة «لا يعرف» ما يحدث خارج جدار العزل الإعلامى.
هذا «الإقصاء المعرفى» أخطر من الرقابة المباشرة، لأنه يخلق ناخباً يعتقد أنه حر، بينما هو فى الواقع أسير رواية واحدة، وعندما يُسأل اليهود الإسرائيليون عن رأى العالم الخارجي، فإن الإجابة ستكون مشوهة، لأنهم لم يسمعوا سوى الصوت الداخلى هذه «الغرفة المغلقة» هى التى تسمح باستمرار الإجماع على سياسات قد تدينها المحاكم الدولية والمنظمات الحقوقية.
تبرز قضية أخرى، رغم أهميتها، لا تشغل سوى شريحة صغيرة من الناخبين اليهود: «تصاعد معدلات الجريمة فى المجتمعات الفلسطينية داخل إسرائيل فعنف العصابات، الذى تقابله استجابة شرطية هزيلة، أسفر عن جرائم قتل شبه يومية، يروح ضحيتها أبرياء لا علاقة لهم بصراعات تلك العصابات».
والشك السائد، وهو شك له ما يبرره، أن هذا التقاعس «متعمد» فى ظل تولى وزير الأمن القومى إيتمار بن غفير منصبه، فالحكومة اليمينية لا ترى فى حياة المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل أولوية تستحق الموارد والاهتمام، وهذا «العنصر» فى سياسة الأمن الداخلى هو امتداد طبيعى للعنصرية الموجهة ضد الفلسطينيين فى الضفة وغزة.
المفارقة أن هذا الملف، رغم كونه قضية حياة وموت لمئات الآلاف، لا يحظى بوزن انتخابى حقيقي، والسبب بسيط: لأن الناخب اليهودى لا يتأثر به مباشرة، والإعلام لا يسلط عليه الضوء بما يكفي، هذه «اللامبالاة الانتقائية» هى وجه آخر من وجوه النظام الذى يضع «اليهودية» فوق «المواطنة».
هنا تكمن الحقيقة الأهم «فبغض النظر عن هوية الفائز، لن يتغير الكثير فى الجوهر».
فالأحزاب المتنافسة، سواء معسكر نتنياهو أو معسكر «رالاب»، تجمعها قواسم مشتركة خطيرة.









