وتبقى مقولتة الخالدة محمد «صلى الله عليه وسلم»: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».. أعظم وأدق تعبير عن جوهر رسالته.. الأخلاق.. فى ذكرى يوم مولده.. صلوا عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.. بداية فقد قرأت قبل أن أكتب هذا المقال «خمسة» كتب هى: حياة محمد للدكتور محمد حسين هيكل وعبقرية محمد للعقاد ومع النبى «صلى الله عليه وسلم» لأدهم الشرقاوى «قيس بن ساعدة» وعلى هامش السيرة للدكتور طه حسين ودرر من آل بيت خير المرسلين محمد «صلى الله عليه وسلم» تأليف لواء مهندس على سعد على حجازى.. وقد أخذت منها مع بعض التصرف مني.. لأقدمها لكم فى ذكرى مولده.. عليه الصلاة والسلام.. ولد رسول الحق «صلى الله عليه وسلم» فى 12 ربيع الأول «أغسطس» سنة 570م «عام الفيل» بمكة بدار جده عبدالمطلب.. وعندما سألوا جده.. لماذا أسميته محمدًا.. قال: أردت أن يكون محمودًا فى السماء لله.. وفى الأرض لخلقه.. كانت حياة محمد «صلى الله عليه وسلم».. كلها إنسانية سامية.. وأنه لم يلجأ فى إثبات رسالته إلى ما لجأ إليه من سبقه من أصحاب الخوارق.. البداية الصراع الذى بداخله.. أين الحقيقة؟ ولم يكن فى حاجة إلى كثير من التأمل.. ليرى أن ما يباشره قومه من شئون الحياة وما يتقربون به إلى آلهتهم.. ليس حقًا.. فما هذه الأصنام التى لا تضر ولا تنفع.. ولا تخلق ولا ترزق.. ولا تدفع عن أحد ضراً ولا تجلب له نفعاً.. مثل هبل واللات والعزي.. هل هذه الأصنام حول الكعبة.. لم تخلق ذبابة.. ولا جاءت بخير لمكة.. ولكن أين الحق؟ إذن؟ وهذا الحق هو الله سبحانه خالق الكون.. لا إله إلا هو.. رب العالمين.. وعندما شارف محمد «صلى الله عليه وسلم» الأربعين.. ذهب إلى حراء وقد اتجه قلبه إلى الصراط المستقيم وإلى الحقيقة الخالدة.. اتجه إلى الله.. وظل على هذا الحال ستة أشهر.. ويجىء الوحى سنة 610 ميلادية.. وهو نائم بالغار.. فإن أول ما يؤتى به الأنبياء يكون فى المنام.. حتى تهدأ قلوبهم.. ثم ينزل الوحى بعد ذلك.. وذهبت خديجة زوج محمد «صلى الله عليه وسلم».. إلى ابن عمها ورقة بن نوفل.. الذى عرف الإنجيل وترجم بعضه إلى العربية.. قصت عليه كل ما حدث لمحمد «صلى الله عليه وسلم».. فقال: قدوس.. قدوس.. لقد جاء الناموس الأكبر لمحمد.. كما كان يأتى لموسى.. وإنه لنبى هذه الأمة.. فقولى له.. فليثبت.. وتنزل سورة المدثر على قلب رسول الحق: «يأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنذِرْ . وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ . وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ . وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ . وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ».. ودخل على بن أبى طالب.. على محمد وخديجة.. فرأهما.. يركعان ويسجدان ويتلوان ما تيسر مما أوحاه الله سبحانه من القرآن.. فوقف الشاب مندهشًا.. حتى أتما صلاتهما.. وهنا دعا محمدًا ابن عمه إلى عبادة الله وحده لا شريك له.. وإلى إنكار الأصنام.. وطلب علي.. أن يشاور أباه.. وفى اليوم التالى أعلن على بن أبى طالب أنه قرر أن يتبعهما من غير حاجة لرأى والده.. قائلاً : «لقد خلقنى الله من غير أن يشاور أبا طالب.. فما حاجتى أنا إلى مشاورته لأعبد الله».. ليكون أول من أسلم.. ومن بعده أسلم زيد بن حارثة مولى النبى.. وأصبح الإسلام محصوراً فى بيت محمد.. هو وزوجته وابن عمه ومولاه.. ويعلن محمد «صلى الله عليه وسلم».. أن الإسلام دين السمو بالنفس البشرية.. ولا توجد صلة بين العبد وربه.. غير العمل الصالح والتقوى.. وأن يحب الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه.. نحن أمام دروس تعلمناها من رسول الحق «صلى الله عليه وسلم».. لعل أهمها: أن تأخذ بأيدى الناس إلى الله.. ولا تنظر فى ذنوب الناس.. كأنك رب.. وانظر إليهم كأنك عبد.. وإن لم نعامل الناس بإخلاص ولين.. فأننا نقدم لهم نماذج سيئة عن المتدينين فإن ابتسامة صادقة وكلمة طيبة بدون سخرية أو عنجهية أو كبر.. قد تقود فتاه إلى الحجاب.. كلمة حلوة من طائع قد تأتى بعاص إلى الله.. والمؤمن إذا نزلت به نازلة «كارثة» ذهب إلى الصلاة.. لأنه يعرف أن كل مشاكل الأرض حلها فى السماء.. تذكر دائماً.. أن الله ستار يحب الستر.. فلا تذكر عيوب الناس.. فليس فى ذكرها.. شىء يرجى.. ودرس آخر: كن مع الله يكن معك.. خرج النبى «صلى الله عليه وسلم» من مكة خلسة ليلاً.. ثم عاد ودخلها فى وضح النهار.. من أبوابها الأربعة.. ودخل يوسف عليه السلام السجن مظلوماً.. وخرج منه عزيز مصر.. وفتية الكهف فروا بدينهم إلى الجبل.. فأنامهم الله مطاردين.. ثم بعثهم وعلى دينهم أهل مدينتهم.. الناس أعجز من أن يلحقوا ضراً أو نفعاً لم يأذن به الله.. روى أبو يعلى فى مسنده عن أبى هريرة.. أن النبى «صلى الله عليه وسلم» قال: إن فرعون قيد زوجته آسيا بأوتاد خارقة فى يديها ورجليها.. فقالت: رب ابن لى عندك بيتاً فى الجنة.. ونجنى من فرعون وعمله ونجنى من القوم الظالمين.. ثم فجأة شاهدها فرعون وهى تبتسم.. فقال متعجباً.. كل هذا العذاب وتبتسمين.. فهو لا يعرف أن الله كشف لها عن بيتها فى الجنة !! إن الله يحارب الطغاة من بيوتهم.. فمن داخل قصر من قال: «أنا ربكم الأعلى».. خرج نبى ومن غرفة نومه خرجت إحدى أعظم النساء فى التاريخ.. ذبح آلاف الأطفال بحثاً عن موسي.. ولما عثر عليه رغماً عنه.. رباه فى قصره.. جعل ألوف النساء تسجدن له.. لكنه عجز عند امرأته.. لأن القلوب بيد الله.. حتى لو ملك الناس الاجساد.. وهنا أقول: وقفت زوجة الملك.. يكفيها أن تأمر لتطاع.. كانت سيدة البلد.. سيدة الناس.. لم تسأل بيتاً فى الجنة.. لضيق بيتهاً فى الدنيا.. ولكنها رأت أن الغنى الحقيقي.. غنى القلب.. وأن الثراء الحقيقى هو ثراء الإنسان بربه.. وأن كل البيوت مقارنة بالجنة ضيقة.. قالت لفرعون: خذ كل ملكك واتركنى لربي.. صلوا على من بعثه الله رحمة للعالمين.. وللحديث بقية إن شاء الله.









