نشجب.. نستنكر.. نندد.. ندين.. نرفض.. هذه قائمة المفردات التى درجت الدبلوماسية العربية على استخدامها عند التعبير عن رد فعلها تجاه ما يدور على أرضنا العربية من أحداث وتطورات.
وعندما تتصاعد وتيرة الأحداث والتطورات وتصل إلى الاعتداء على سيادة دول أو قتل مدنيين فى الأراضى المحتلة، تقوم الدبلوماسية العربية بتصعيد لهجتها فتضيف مثلا إلى كلمة «ندين» عبارة «بأشد العبارات».
يحدث ذلك يومياً تقريباً، فيما يصدر عن جامعة الدول العربية من ردود فعل على تلك الأحداث على شكل بيانات أو تصريحات رسمية، كما يحدث فيما يصدر عن وزارات خارجية الدول الأعضاء بها.
وغالباً ما تتعدى هذه البيانات والتصريحات حدود الشجب والاستنكار والتنديد والإدانة والرفض إلى دعوة «المجتمع الدولي» للتدخل العاجل للتصدى لتلك الأحداث والتطورات، وإلزام مصدرها بوقفها.
وحين تدعو الجامعة العربية الدول الأعضاء بها إلى اجتماع سواء على مستوى المندوبين أو حتى مستوى وزراء الخارجية، فإن مخرجات هذه الاجتماعات لا تتعدي– عادة– ما تتضمنه ما سبق من بيانات وتصريحات باستخدام نفس المفردات.
ولو عاد أحد إلى أرشيف البيانات والمقررات الصادرة عن مؤتمرات القمة العربية فى أى وقت، فسيجد مخرجات أى قمة منها تكراراً لما سبقتها، ربما بنفس الصياغات، لنفس القضايا مع إضافة ما استجد من أحداث أو قضايا والتعامل معها بنفس المفردات.
وشهادة حق للدبلوماسية العربية فى ذلك، أنها تبذل جهداً دءوباً، فردياً وجماعياً فى متابعة الأحداث والتطورات بصورة يومية، حتى لا يفوتها الرد على أى منها ببيان أو تصريح من نفس النوعية.
والرسالة التى تصل للمواطن العربى من ذلك كله هي، أن على الدبلوماسية العربية الشجب والاستنكار والتنديد.. إلى آخره وعلى العالم أو المجتمع الدولى التحرك.
أى علينا الكلام، وعلى العالم الفعل.
وهذا من شأنه أن يثير أكثر من سؤال:
مثلاً.. ماذا لو نفد مخزون الدبلوماسية من المفردات اللازمة فى مواجهة تصاعد الأحداث والتطورات؟!
لقد توقف مخزون هذه المفردات فى الفترة الأخيرة عند عبارة «ندين بأشد العبارات» بينما تجاوزتها الأحداث والتطورات المتصاعدة بكثير.
وقد تفتق الذهن الدبلوماسى العربى عن حيلة لسد هذه الفجوة التعبيرية بأن يضيف إلى دبلوماسية «الإدانة بأشد العبارات» دبلوماسية «التهدئة وخفض التصعيد» لخلق ضرورة لوجود واستمرار الدبلوماسية.
سؤال آخر: عند تكرار البيان أو التصريح الواحد أكثر من مرة عن القضية الواحدة دون أن يلقى أى استجابة من الطرف الموجه إليه.. فما هى النقطة التى ترى الدبلوماسية العربية عندها الانتقال من هذه الآلية إلى آلية أخرى أكثر فاعلية وتأثيراً.. وفى نطاق مجال عملها نفسه؟! هل بعد عشرين أم خمسين تصريحاً مثلاً؟!
سؤال ثالث: أليس فى قاموس الخطاب الدبلوماسى العربى فرق فى التعامل، بين دولة طبيعية ذات قيادة سوية وبين دولة مارقة عدوانية يقودها مجرم حرب مطلوب للعدالة الدولية؟! ألا يوجد ما يمكن أن نسميه «دبلوماسية ناعمة» و»دبلوماسية خشنة»؟! دبلوماسية «أليفة» ودبلوماسية «ذات أنياب»؟!
الدبلوماسية العربية– فى رأيي– تمر بأزمة حقيقية كبرى هى فى جزء كبير منها ليست من صنعها، لكنها أدت إلى فجوة واسعة بينها وبين الشارع العربي، حتى أصبحت مؤسسات العمل العربى سواء الجماعى منها أو الفردى مثار تندر الرأى العام، لأن الانطباع الوحيد الذى تتركه هو أننا نعيش حالة من العجز العربى العام عن «الفعل» وحتى عن «رد الفعل المناسب» تجاه ما نتعرض له.
لقد تابع الرأى العام العربى بنفسه، ردود أفعال العالم الخارجى كله على حرب الإبادة الجماعية التى شنتها إسرائيل ولاتزال على الشعب الفلسطينى فى غزة خلال العامين الماضيين، وسياسة إسرائيل لضم الضفة الغربية حالياً والعبث بكل المقدسات فيها.
ورأى العالم العربى كله، كيف أن أكثر المواقف إيلاماً لإسرائيل رداً على ذلك، جاءت من خارجه.. من دول غير عربية، بل وغير إسلامية، مثل جنوب أفريقيا صاحبة دعوى اتهام إسرائيل بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطينى فى غزة، ومثل إسبانيا التى قادت تحرك دول أوروبية عديدة للاعتراف لأول مرة بالدولة الفلسطينية خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، بينما لم تتقدم جامعة الدول العربية ولا أى دولة عربية باحتجاج رسمى على رفض الإدارة الأمريكية وقتها السماح للرئيس الفلسطينى محمود عباس بدخول أراضيها لحضور ذلك الاجتماع بمقر الأمم المتحدة بنيويورك والذى كان يمثل أكبر مهرجان عالمى للاعتراف بالدولة الفلسطينية.
وغير جنوب إفريقيا أو إسبانيا اللتين واجهتا عقوبات أمريكية على مواقفهما المضادة لإسرائيل والمؤيدة للشعب الفلسطيني، كانت هناك دول أخرى كالبرازيل ودول أوروبية عديدة بعضها دعا لوقف تفعيل اتفاقية التجارة الإسرائيلية مع الاتحاد الأوروبى، وبعضها قاطع الواردات الإسرائيلية من منتجات الضفة الغربية، وبعضها أوقف تصدير السلاح لإسرائيل وحظر دخول أحد وزراء اليمين فى الحكومة الإسرائيلية إلى أراضيها.
هذا التحول لم يحدث بفعل تراكم بيانات وتصريحات الشجب والإدانة العربية بل بدماء وتضحيات مئات الآلاف من الشهداء والمصابين من أبناء الشعب الفلسطينى فى غزة والضفة ومن أنصار القضية الفلسطينية فى لبنان واليمن وغيرها.. أى عندما حدث «فعل» فلسطينى.
بين السلام والحرب هناك دائماً مساحة واسعة «للفعل» وهى ذات المساحة التى استثمرتها الدول الأجنبية المشار إليها فى دعم القضية الفلسطينية، وبإجراءات وتحركات دبلوماسية قادت إلى قرارات ومواقف سياسية وهو ما نتمنى أن نراه من الدبلوماسية العربية إن أرادت استعادة ثقة المواطن العربى بها ودعمه لها.









