لا يكاد يمر يوم من دون أن نقرأ عن واقعة غش؛ فى الطعام والدواء والسلع، وفى الامتحانات والمعاملات والخدمات. لكن أن يتحول الكاكاو فى مصنع للبسكويت إلى لون من الفحم النباتى، وتُضبط خامات فاسدة وألوان غير صالحة للاستخدام، فهذه ليست مجرد واقعة غش غذائى، وإنما جرس إنذار لمرض أخطر: الغش حين يتحول من جريمة يخجل منها صاحبها إلى سلوك يتعايش معه المجتمع.
فالمشكلة ليست فى مصنع أو تاجر أو موظف وحده، وإنما فى ثقافة تتسع حين تتحول «الفهلوة» إلى شطارة، والتحايل إلى ذكاء، واستغلال الثغرات إلى مهارة، بينما يصبح الملتزم بالقانون والأمانة كأنه الساذج الذى لم يعرف كيف «يستفيد»!
والغش، فى حقيقته، ليس مجرد مخالفة تجارية؛ إنه صورة من صور الفساد؛ لأنه يقوم على الخداع وأكل أموال الناس بالباطل والإضرار بهم، وقد يمتد أثره من خسارة المال إلى إزهاق الصحة، ومن إفساد التعليم إلى إفساد منظومة القيم كلها.
ولهذا لم تتعامل الشريعة الإسلامية مع الغش باعتباره مخالفة هامشية، وإنما واجهته مواجهة حاسمة؛ فالله تعالى يقول: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾.
وحين مرَّ النبى ﷺ على صُبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللًا، قال لصاحبها: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» فقال: أصابته السماء يا رسول الله. فقال ﷺ: «أفلا جعلته فوق الطعام كى يراه الناس؟ من غشَّ فليس منى».
وتلك العبارة النبوية القصيرة: «من غشَّ فليس منى» تكشف فداحة الجريمة؛ فالنبى ﷺ لم يكتفِ بالنهى عن الغش، وإنما أعلن البراءة من سلوك الغاش؛ لأنه يهدم أساسًا تقوم عليه الجماعة المؤمنة: الصدق والأمانة والثقة.
والأخطر أن الغش لا يقف عند حدود السلعة المغشوشة. فحين يغش التاجر فى الطعام، فإنه يهدد صحة الإنسان؛ وحين يغش المنتج فى الدواء، فإنه قد يهدد حياته؛ وحين يغش الطالب فى الامتحان، فإنه يسرق مكان زميل أكثر استحقاقًا، ويصنع شهادة بلا علم وكفاءة؛ وحين يغش الموظف فى عمله، فإنه يهدر مالًا ووقتًا وحقوقًا عامة.
وهكذا يصبح الغش عدوى اجتماعية؛ يبدأ من ميزان ناقص، وقد ينتهى إلى مجتمع ناقص الثقة.
فالاقتصاد لا يقوم على المصانع والأرقام وحدها، وإنما على الثقة. والسوق لا يستقيم بالقوانين وحدها، وإنما بضمير البائع والمشتري. والتعليم لا ينجح بالامتحانات والشهادات، وإنما بأمانة من يتعلم ومن يعلّم. والدولة مهما بلغت قدرتها الرقابية لن تستطيع أن تضع مفتشًا خلف كل تاجر، ورقيبًا على كل مصنع، ومراقبًا داخل كل قاعة امتحان.
ومن هنا تبدأ المواجهة الحقيقية: بتربية الضمير قبل تشديد الرقابة.
نحن بحاجة إلى أن يتعلم الطفل منذ الصغر أن الأمانة ليست درسًا فى كتاب التربية الدينية، وإنما سلوك يومى؛ وأن رد الحق أمانة، وعدم الغش أمانة، وإتقان العمل أمانة، وأن المال الذى يأتى بالخداع ليس مكسبًا، وإنما خسارة للإنسان قبل أن يكون خسارة للآخرين.
لكن تربية الضمير لا تعنى التساهل مع الجريمة. فالرحمة بالمجتمع تقتضى ردع من يتعمد الإضرار بالناس. ولذلك يجب أن تكون العقوبات على الغش والفساد متناسبة مع حجم الجريمة وأثرها، وأن تتدرج من الغرامات وسحب التراخيص إلى الإغلاق والمساءلة الجنائية ومصادرة المكاسب غير المشروعة، مع تشديد العقوبة فى الجرائم التى تهدد حياة الناس أو تتعمد تسميم غذائهم ودوائهم.
وقد اتجهت دول مثل الصين إلى سياسة شديدة القسوة فى مواجهة بعض صور الفساد والجرائم الاقتصادية الجسيمة، حتى وصلت العقوبات فى بعض جرائم الفساد الكبرى إلى الإعدام. وقد يختلف الناس حول مدى ملاءمة العقوبة القصوى، لكن الرسالة التى تحملها التجربة واضحة: حين يصبح الفساد خطرًا على الدولة والمجتمع، لا يمكن التعامل معه باعتباره مخالفة عابرة.
ومع ذلك، فإن أقوى عقوبة تظل عاجزة إذا لم يصاحبها وعى. فالقانون يردع من يخاف العقوبة، أما الضمير فيمنع الجريمة حتى عندما يغيب الرقيب.
نحتاج إلى رقابة ذكية، وتتبع للسلع من مصدرها إلى المستهلك، وإعلان نتائج حملات التفتيش بشفافية، وسرعة الفصل فى قضايا الغش، وحماية المبلّغين، وتوعية المستهلك، وربط المسئولية باسم المنشأة وصاحبها، حتى لا يصبح الغش مشروعًا مربحًا يدفع المجتمع ثمنه.
لقد آن الأوان أن نعيد تعريف «الشطارة». فالشاطر ليس من عرف كيف يغش دون أن يُضبط، ولا من اكتشف ثغرة فى القانون، ولا من كسب مالًا بخداع الناس؛ الشاطر هو من استطاع أن يربح دون أن يخسر شرفه، وأن ينجح دون أن يظلم غيره، وأن يترك وراءه أثرًا طيبًا لا ضحايا.
إن أخطر ما نغشه فى النهاية ليس سلعة ولا ميزانًا ولا امتحانًا؛ إننا نغش مستقبل مصر.
فماذا تتوقع لمجتمع بات ضميره لا يتوجع من الغش؟!
ماذا يبقى من الثقة إذا جاز الغش فى الطعام، والتلاعب فى التعليم، والتحايل فى الخدمة، والخداع فى المعاملة؟
إن المجتمع الذى يموت فيه الإحساس بقبح الغش، لا يحتاج فقط إلى مزيد من المفتشين والقوانين، بل يحتاج قبل ذلك إلى إحياء الضمير.
فإذا كان القانون يحرس المجتمع من الخارج، فإن الضمير يحرسه من الداخل.
وحين يستقيم الداخل، يقل احتياجنا إلى الرقيب؛ وحين يموت الضمير، لن تكفى أجهزة الرقابة مهما كثرت.
الغش ليس مجرد سلعة فاسدة نكتشفها فى الأسواق؛ إنه فساد فى ميزان القيم. وأخطر ما فيه أن يتحول من جريمة يخجل منها صاحبها إلى «شطارة» يتباهى بها. عندها لا يكون الخطر فى الغشاش وحده، وإنما فى مجتمع لم يعد يتوجع من الغش.









