الجمعة, أغسطس 21, 2026
  • سياسة الخصوصية
  • إتصل بنا – جريدة الجمهورية
  • من نحن – جريدة الجمهورية

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفي

جريدة الجمهورية

رئيس التحرير

أحمد أيوب

  • الرئيسية
  • أخبار مصر
  • ملفات
  • مدارس و جامعات
  • محافظات
  • رياضة
  • برلمان و أحزاب
  • فن و ثقافة
  • حوادث و قضايا
  • المزيد
    • تكنولوجيا
    • عرب و عالم
    • إقتصاد و بنوك
    • الجمهورية معاك
    • منوعات
    • متابعات
    • أجراس الأحد
    • عالم واحد
    • مع الجماهير
    • العـدد الورقـي
    • مقال رئيس التحرير
لا توجد نتائج
كل النتائج
  • الرئيسية
  • أخبار مصر
  • ملفات
  • مدارس و جامعات
  • محافظات
  • رياضة
  • برلمان و أحزاب
  • فن و ثقافة
  • حوادث و قضايا
  • المزيد
    • تكنولوجيا
    • عرب و عالم
    • إقتصاد و بنوك
    • الجمهورية معاك
    • منوعات
    • متابعات
    • أجراس الأحد
    • عالم واحد
    • مع الجماهير
    • العـدد الورقـي
    • مقال رئيس التحرير
لا توجد نتائج
كل النتائج
جريدة الجمهورية
لا توجد نتائج
كل النتائج
الرئيسية عاجل

الدولة المركزية و الأعمدة السبعة.. كيف صنع وادى النيل سكانه؟

بقلم :حسام  الغمـرى

بقلم جريدة الجمهورية
20 أغسطس، 2026
في عاجل, مقالات
الدولة المركزية و الأعمدة السبعة.. كيف صنع وادى النيل سكانه؟
5
مشاهدات
شارك على فيسبوكواتس اب

من عبقرية الزمن ولدت 4 أعمدة:

الفرعونى.. اليونانى والرومانى.. القبطى والإسلامى

ومن جغرافيا المكان انبعثت 3 أبعاد:

العربـــى .. الإفريقــــى والمتوسطــــى

مصر تاريخ من التراكم الحى.. يتسلل فيه الماضى إلى الحاضر.. وكلاهما يشارك فى بناء المستقبل

«الوضع والموقع».. يرسمان خطوط عبقرية مصر

.. والنيل يصنع وحدة الإيقاع

تتغير العواصم.. لكن المركز يبقى

من منف إلى طيبة.. ومن الإسكندرية

إلى الفسطاط ثم للقاهرة والعاصمة الجديدة

 فى بقاع كثيرة من العالم، قد تتجاور الجماعات البشرية؛ التى تسكن الأرض نفسها، لكن تظل بينها جزر منعزلة من الذاكرة والوجدان والثقافة.

أما فى وادى النيل، فقد وضعت الجغرافيا شروطًا مختلفة؛ فلم تكن مصر مجرد أرض تجمع البشر، وإنما بدت عبر تاريخها الطويل أشبه بـ «معمل حضارى» فريد يفرض على سكانه إيقاعًا مشتركًا من الماء والزراعة والمصير.

ومع تعاقب العصور، تدفقت الروافد البشرية والحضارية إلى الوادى؛ بعضها جاء من وراء البحر أو الصحراء.

ولم تكن العلاقة بينها دائمًا سلامًا بلا صراع ، ولا اندماج بلا مقاومة؛ لكن ما أثبته الزمن أن الصراع نفسه لم يمنع التفاعل، وأن الوافد لم يبقَ كما جاء، مثلما لم تبقَ مصر بعده تمامًا كما كانت ، حيث بدأت عملية الصهر الحضارى .

أوقدت الأيام نار التجربة المشتركة، ووضع تفرد الجغرافيا الجميع داخل بوتقة واحدة، ثم منح الزمن هذا التفاعل مداه؛ فتداخلت شيئًا فشيئًا المكونات التي رآها المفكر المصري الكبير ميلاد حنا (1924-2012) أعمدةً سبعة للشخصية المصرية.

لم يمحُ رافدٌ بقية الروافد، ولم يخرج أيٌّ منها من البوتقة كما دخلها؛ أعطى كل مكوّن من روحه، وأخذ من أرواح الآخرين، حتى لم نعد أمام طبقات متجاورة يمكن فصل إحداها عن الأخرى دون أن يتغير البناء كله.

وهنا يكمن سر القصيدة: مصر لم تجمع سكانها .. بل صهرتهم.

ولم يُنتج هذا الصهر تجميعًا عشوائيًا لقطع فسيفساء متنافرة، وإنما صنع عبر القرون سبيكة إنسانية متماسكة تحمل أثر مكوناتها جميعًا، دون أن تكون نسخةً من أيٍّ منها.

ولهذا تصبح محاولة ردّ المصري المعاصر إلى أصل حضاري واحد اختزالًا لتاريخه؛ فهو ليس فرعونيًا ضل طريقه إلى القرن الحادي والعشرين، ولا عربيًا يبدأ تاريخه في القرن السابع الميلادي ، ولا متوسطيًا ينسى عمقه الأفريقي، ولا إفريقيًا يتنكر لامتداده العربي.

إنه ناتج التفاعل بينها جميعًا.

سبيكةٌ ذهبية صاغتها عبقرية المكان، وصقلتها محن التاريخ، وحفظتها الذاكرة الثقافية ، ووحّدها المصير ومركزية الدولة ؛ حتى أصبح من المتعذر أن نفصل المعدن عن المعدن دون أن تفقد نفسها.

ولهذه السبيكة اسمٌ واحد، عصيٌّ على النسيان : الإنسان المصرى.

وإذا كانت مصر قد مَصَّرت الحضارات، فهل مَصَّرت الإنسان أيضًا؟

كيف تبدّلت روح اليونانى حين غدت الإسكندرية مهدًا لأبنائه، لا مجرد ميناء لرسو سفنه؟ وكيف تبدّل إيقاع العربي حين غادر قفر الصحراء إلى خضرة الوادي ورطوبة النيل، ثم راحت لغته، جيلًا بعد جيل، تتلوّن على ألسنة أبنائه بنبرة المكان، حتى وُلدت منها لهجة دافئة لا تخطئ الأذن مصريتها؟

وماذا جرى للتركي والشركسي والشامي والأمازيغي ، حين تحولت مصر في عيونهم إلى وطن؛ يبدأ ببيت للعيش ، ويمتد إلى قبرٍ للأب، ثم يستقر ذاكرةً أبدية فى وجدان الحفيد؟

لكن السؤال الأعمق يظل مختبئًا خلف ذلك كله: ماذا كان يحدث للمصري نفسه؟ كيف كان وجدانه يتسع ويتطور ويتجدد مع كل رافد جديد يصب في نهره، وكل نبض غريب يدخل بوتقته، حتى يصبح الغريب مألوفًا، والوافد موروثًا، وما جاء يومًا من خارج مصر جزءًا مما نسميه اليوم مصريًا؟

هنا لا تكفينا أساطير النقاء؛ فلا يمكن تفسير الروح المصرية بخرافة النقاء العرقي التي لم توجد يومًا إلا في مخيلة المتطرفين، كما لا يسعنا اختزالها في فكرة «الطبقات المتراكمة»؛ فالطبقات تظل منفصلة مهما تراكمت، ومهددة بالانشطار عند أول زلزال تاريخى.

إننا نبحث عن شيء أبعد من التراكم : نبحث عن الانصهار.

فليس السؤال: كم عنصرًا وفد إلى مصر؟

وإنما السؤال الأهم:

ماذا فعلت مصر بكل هذه العناصر؟

الأعمدة السبعة

في أطروحته الشهيرة «الأعمدة السبعة للشخصية المصرية»، لا ينحاز المفكر المصري ميلاد حنا (1924-2012) إلى رافد واحد يمنحه صك السيادة على الشخصية المصرية، بل يرى الهوية ثمرة تلاقي قوتين خالدتين: الزمان والمكان.

فمن عباءة الزمان ولدت أربعة أعمدة تاريخية: الفرعوني، واليوناني-الروماني، والقبطي، والإسلامي.

ومن جغرافيا المكان انبثقت ثلاثة أبعاد: العربى، والإفريقى، والمتوسطى.

و هذه الأعمدة ليست مجرد جرد حسابي لمكونات الهوية، بل روافد تسكن وجدان الإنسان المصرى بدرجات تتفاوت حضورًا وظهورًا باختلاف الإنسان والعصر، دون أن يفقد البناء تماسكه الأصيل.

وهنا ينبثق السؤال الأدق الذي يتجاوز نظرية الأعمدة إلى فرضية السبيكة الذهبية: ميلاد حنا يخبرنا بالمكونات، أما الآن فنسأل: ماذا صنعت مصر بهذه المكونات؟

إن عبقرية هذا الوادى تتجلى في قانون حضارى فريد: كان الجديد يفد، لكن القديم لا يرحل كله.

لم تنتهِ مصر الفرعونية حين وطئ الإغريق أرضها، ولم تُمحَ الطبقة اليونانية-الرومانية حين تشكلت مصر القبطية، ولم يختفِ القبطي من نسيج البلاد مع الفتح «العربى- الإسلامى»، كما أن استقرار العربية لسانًا للمصريين لم يقتلع مصر من عمقها الأفريقي، ولم يغلق نافذتها على المتوسط.

إنه تاريخ من التراكم الحي؛ يتسلل فيه الماضي إلى الحاضر، ثم يدخل الاثنان معًا في صناعة المستقبل.

وهكذا تتجلى أولى خصائص الكيمياء المصرية في أن تاريخها لم يعرف منطق «الممحاة»؛ فلم يكتب عصرٌ فصوله فوق صفحة بيضاء، وإنما كُتبت العصور المتعاقبة فوق مخطوطة تاريخية حافلة بالكلمات ؛ بعضها ما زال يلمع بوضوح، وبعضها توارى خلف غبار الزمن، لكنها جميعًا تسربت إلى روح الورقة واستقرت في نسيج برديتها .

لم تعد الفرعونية ديانةً تُمارس، لكنها بقيت الجذر الحضاري الأقدم، ولم تبقَ اليونانية لغةً للشارع، لكن عصرها ترك الإسكندرية ومكتبتها وطبقات فلسفية أضافت إلى وجدان البلاد.

وظلّت القبطية في الحياة العامة، بحضورها العريق الحيّ في الكنيسة والذاكرة الوطنية.

وحين استقر الإسلام واللسان العربي، تلاشت عنهما مع القرون صفة «الوافد»، حتى غدوا من أعمق مكونات الشخصية المصرية المعاصرة وأكثرها تأثيرًا.

وهنا تكمن المفارقة الخالدة : ما يفد إلى مصر اليوم، قد يصبح جزءًا من أصالتها غدًا.

فالعربي الذي دخل مصر في القرن السابع لم يدخل مصر التي عرفها رمسيس الثاني، بل دخل مصر التي كانت قد عبرت بالفعل التجربة اليونانية والرومانية والقبطية؛ ثم لم يلبث هو نفسه، مع امتداد القرون، أن يصبح جزءًا من السبيكة الذهبية .

وهكذا لا يسير التاريخ المصري في خط من الإحلال، حيث يمحو اللاحق السابق، وإنما في حركة من الاحتواء والتحول؛ تتبدل اللغة أو العقيدة أو صورة السلطة، لكن الأثر لا يموت؛ ربما يغيّر موضعه داخل السبيكة، ثم يتناسخ من عصر إلى عصر .

ومن هنا نصل إلى أول قوانين «كيمياء الإنسان المصرى» :

الروافد لا تصنع الهوية لمجرد أنها تتجاور، وإنما حين تفقد استقلالها داخل السبيكة الذهبية ؛ فلا يختفي أثر أيٍّ منها، ولا يبقى أيٌّ منها قادرًا وحده على تفسير الناتج.

كانت المعادن سبعة، جاءت من التاريخ والجغرافيا، تفاوتت أزمنتها وأثرها، لكن لكي تتحول من روافد متعددة إلى سبيكة واحدة، كان لا بد من شيء يجمعها ، ويمنح التفاعل مجاله.

تعددت المعادن ، أما البوتقة فكانت واحدة .

اسمها : مصر .

البوتقة المصرية

في تاريخ الأمم، قد تلتقي الثقافات عابرةً ثم تفترق، وقد تتجاور طويلًا خلف أسوار العزلة، وقد ترحل حضارة كاملة فلا تترك وراءها سوى أطلال صامتة تشهد بأنها كانت هنا ذات يوم.

لكن الانتقال من التجاور إلى الانصهار احتاج في مصر شيئاً آخر: بوتقة جغرافية لا تكتفي باستضافة الإنسان، بل تفرض عليه شروط الحياة، وتنسج مع الزمن جانبًا من وجدانه ومصيره.

هنا تتجلى عبقرية جمال حمدان (1928-1993)، الذي لم يرَ مصر مجرد مسرح جرت فوقه أحداث التاريخ، وإنما قرأ المكان نفسه بوصفه طرفًا فاعلًا في صناعة التاريخ؛ فالجغرافيا عنده ليست خلفية صامتة بل قوة تدخل معه في المعادلة.

وقد فكك حمدان شخصية مصر من خلال ثنائية «الموضع والموقع»؛ موضع داخلي شديد التماسك حول الوادى والنهر، وموقع خارجي بالغ الانفتاح على دوائر العالم المحيط.

وهنا تكمن المفارقة العبقرية: مصر محصنة ومنفتحة في آنٍ واحد.

أحاطت الصحراء بالوادى شرقًا وغربًا، فصنعت له حدودًا طبيعية شديدة الصرامة ، بينما تركت له الجغرافيا أبوابًا مفتوحة على العالم: المتوسط شمالًا، حوض النيل جنوبًا نحو أفريقيا، وسيناء شرقًا جسرًا إلى آسيا.

وكأن المكان قد صاغ معادلته الدقيقة: محمية بما يكفى لتحفظ شخصيتها، ومنفتحة بما يكفى لتستقبل العالم.

وتلك هي أول شروط البوتقة.

فلو كانت مصر جزيرةً مغلقة تمامًا، لما وصلت إليها كل تلك الروافد ، ولو كانت سهلًا مفتوحًا بلا مركز جذب، لربما عبرتها الشعوب كما تعبر القوافل طريقًا؛ دون أن يمنحها المكان زمنًا كافيًا للتفاعل.

لكن الوادي فعل شيئًا ثالثًا: سمح للروافد بالدخول ، ثم احتفظ بها طويلًا داخل شروطه.

وكان النيل قلب هذه المعادلة .

ليس لأنه منح المصري الماء فقط؛ فاختزال النيل في الري يحوله إلى مجرد قناة هائلة، بينما كان أثره في تشكيل الوجدان المصري أعمق كثيرًا.

فالقرية التي قامت على ضفته لم تكن جزيرة مكتفية بذاتها؛ فالماء نفسه يمر بها وبغيرها، والنهر نفسه يصل الجنوب بالشمال، والزراعة تفرض إيقاعًا موسميًا متقاربًا، والطريق المائي يحمل المحاصيل والبشر والخبر والسلطة.

لقد صنع النيل ما يمكن أن نسميه «وحدة الإيقاع» .

فإذا كان التاريخ قد كتب فصول الحكاية، فإن الجغرافيا كانت أيضاً أحد أهم مؤلفيها.

الذاكرة الثقافية

تتساقط الإمبراطوريات، وتنحسر اللغات عن الشفاه، وتبدّل الشعوب عقائدها وعواصمها، ويفنى المعاصرون حتى لا يبقى منهم شاهد حي؛ ومع ذلك، يتسلل شيء خفي من الماضي عابرًا الأزمنة، باحثًا لنفسه عن حياة أخرى بعد موت أصحابه.

هذا السر يضيئه عالم المصريات والمفكر الألماني يان أسمان Jan Assmann (1938-2024) من خلال مفهوم «الذاكرة الثقافية»؛ فالشعوب تحفظ صورًا من ماضيها في وجدانها الجمعي؛ عبر الرمز والطقس والنص والمكان ، وعبر الحكاية التي يتسلمها جيل من جيل، حتى يغيب الشاهد وتبقى الشهادة.

وهذه الذاكرة هي إحدى الأدوات التي يعيد بها المجتمع إنتاج هويته عبر الزمن.

وهنا يتجلى أحد أعمق أسرار كيمياء الإنسان المصري ؛ فالمصري اليوم لم يرافق المصري القديم في تشييد الأهرام، ولم يشهد انتشار المسيحية في الوادي، ولم يعاصر الفتح العربي- الإسلامي مع عمرو بن العاص ، ولم يرَ الأزهر وهو يؤذن فيه للمرة الأولى؛ لكنه حين يقف أمام الأهرامات، أو الكنيسة ، أو الأزهر، يتجاوز المسافات بين الأزمنة، و يجمع حضارات لم يعشها تحت لواء ضمير واحد : « نحن » .

ولعل هذه الـ«نحن» واحدة من أعجب صياغات الذاكرة؛ لأنها تمنح الإنسان صلةً بعصور لم يعشها، وأحداث لم يشهدها، وأجداد حضاريين ربما لم يتحدثوا لغته ولم يعتنقوا عقيدته.

فالفرد لم يفعل شيئًا من ذلك، لكنه ورث حق الانتماء إلى السردية.

وهنا تفعل الذاكرة الثقافية ما لا يستطيع الدم وحده أن يفعله؛ تجمع أناسًا لم يلتقوا، ولم يعيشوا في عصر واحد، داخل مساحة حضارية مشتركة يستطيع اللاحق من خلالها أن يرى السابق سلفًا حضاريًا، لا غريبًا تاريخيًا.

وهنا تظهر وظيفة الذاكرة الثقافية داخل السبيكة الذهبية المصرية .

فلم تكن مصر، في تحولاتها الكبرى، كتابًا يمزق كل فصل فيه السابق؛ بل كانت أشبه بمخطوط قديم كُتب فوقه مرارًا : فالديانة المصرية القديمة انتهت بوصفها عقيدة حية، لكن مصر القديمة لم تنتهِ بوصفها ذاكرةً مصرية.

والقبطية تراجعت من لغة للحياة العامة، لكنها بقيت حيةً في طقوس الكنيسة، ثم جاء الإسلام والعربية، فدخلا بدورهما في نسيج الذاكرة، وبعد قرون لم يعد الأزهر أو القاهرة الفاطمية أو العمارة المملوكية «تاريخًا وافدًا»، وإنما أصبح كل ذلك جزءًا مما يستحضره المصري حين يتحدث ببساطة وتلقائية عن تراثه.

فالمسلم المصري لا يحتاج الإيمان بعقائد مصر القديمة لكي يرى معبد الأقصر جزءًا من تاريخه، ولا يحتاج أن يكون مسيحيًا حتى يرى الأديرة القبطية جزءًا من ميراث وطنه، كما لا يحتاج المسيحي المصري اعتناق الإسلام لكي يرى مسجد السلطان حسن جزءًا من تاريخ مدينته وحضارته.

وهكذا تفعل الذاكرة شيئًا أبعد من مجرد الحفظ؛ إنها تحرر الماضي من أسر أصحابه الأوائل، ثم تورثه لكل من جاء بعدهم.

الدولة المركزية

مهما بلغت قوة الذاكرة الثقافية، فإنها تظل عاجزة وحدها عن حماية المجال الذي يحملها؛ فالحكاية تحتاج أرضاً، والأرض تحتاج سياجا يحفظ وحدتها واستمرارها.

ومن هنا برزت، مبكرًا، قوة أخرى من قوى الكيمياء المصرية؛ قوة تضع الروافد المختلفة داخل مصير سياسي وجيوسياسي واحد.

تلك القوة هي: الدولة المركزية.

وإذا تحررنا من القراءة الرومانسية التي تتخيل الدولة المصرية خطًا مستقيمًا لم ينقطع، سنجد تاريخًا أكثر تعقيدًا؛ عصور ضعف وانقسام، واحتلال أجنبي ، وتفتتًا في السلطة، وتحولات في لغات الإدارة ومصادر الشرعية.

لكن خصوصية التجربة المصرية لا تكمن في أن المركزية لم تسقط، وإنما في قدرتها المتكررة على العودة بعد السقوط؛ كأن وحدة الوادي ظلت، رغم الانكسارات، مركز الجاذبية الذي تعود إليه كلما ابتعدت عنه.

ومنذ اكتمال توحيد مصر العليا والسفلى قرابة مطلع الألف الثالث قبل الميلاد، لم تعد الوحدة مجرد جمع لقطرين تحت تاج واحد، وإنما بدأت واحدة من أقدم تجارب الدولة المركزية في التاريخ.

ولعب النيل وإدارة موارده دورًا مهمًا في تعزيز الحاجة إلى التنظيم والتنسيق، إلى جانب عوامل سياسية واقتصادية ودينية واجتماعية أخرى؛ حتى نشأت إدارة قادرة على جمع الموارد، وتنظيم العمل .

وهنا لم تعد الدولة مجرد نتيجة لوحدة مصر ، بل أصبحت أحد صانعيها.

فالدولة تفعل في البشر ما لا تفعله الجغرافيا وحدها؛ تمنحهم إدارةً وقواعد مشتركة، وشبكةً من المصالح والالتزامات، وتنقل الجندي والموظف والتاجر بين الأقاليم، وتربط الأطراف بالمركز؛ حتى لا يبقى الإنسان أسير قريته أو إقليمه وحدهما، وإنما يصبح جزءًا من مجال سياسي أوسع ومصير مشترك.

وهنا يطل عالم الاجتماع الألماني نوربرت إلياس Norbert Elias (1897-1990) ليمنحنا مفتاحًا آخر لفهم العلاقة بين الدولة والإنسان. ففي مشروعه الأشهر « عملية التمدّن The Civilizing Process « 

لم يتعامل «إلياس» مع تشكّل الدولة المركزية بوصفه تحولًا في بنية السلطة وحدها، بل ربط بين نمو المركز السياسى، واتساع شبكات الاعتماد المتبادل بين البشر، والتحولات البطيئة التي تطال أنماط السلوك والانضباط الاجتماعي والذاتي عبر الزمن.

فالدولة، بهذا المعنى، لا تعيد تنظيم المجال فقط؛ إنها تعيد تنظيم العلاقات بين البشر داخله.

وكلما اتسعت دوائر الاعتماد المتبادل بينهم، لم تعد السلطة شأنًا يخص الحاكم وحده، وإنما أصبحت جزءًا من شبكة الحياة اليومية التي يتحرك داخلها الإنسان، ويتعامل من خلالها مع الآخرين، ويتعلم بمرور الزمن حدود حقوقه وواجباته ومصلحته وموقعه داخل المجتمع .

وإذا كان «إلياس» قد بنى نموذجه أساسًا على التجربة الأوروبية، فإننا نستعير منه هنا عدسةً للتفسير ؛ ففي وادي النيل، لم تكن الدولة المركزية مجرد سلطة حكمت المصري، وإنما كانت، عبر الزمن الطويل، إحدى القوى التي شاركت في صناعة الإنسان المصري نفسه.

وهنا التقت عبقرية المكان بعبقرية الدولة:

النيل جمّع … والدولة نظّمت.

النهر وحّد جانبًا من إيقاع الحياة والزراعة والحركة، والدولة منحت ذلك قالبًا سياسيًا وإداريًا؛ فالجغرافيا قدمت إمكانية الوحدة، بينما حولتها الدولة إلى واقع سياسي.

واللافت أن هذه النزعة الوحدوية استطاعت البقاء رغم تغير كل شيء تقريبًا.

تتغير العاصمة، لكن المركز يبقى.

من منف إلى طيبة.

ومن الإسكندرية إلى الفسطاط.

ومن الفسطاط والعسكر والقطائع إلى القاهرة، ثم إلى العاصمة الجديدة.

وتتغير أسماء الحكام:

فرعون، وملك بطلمي، ووالٍ روماني، ووالٍ عربي، وسلطان، ووالٍ عثماني، وخديوٍ، وملك، ورئيس جمهورية.

وتختلف بالطبع، طبيعة الدولة ومؤسساتها ومصادر شرعيتها اختلافًا جذريًا من عصر إلى آخر؛ فلا الدولة الفرعونية هي الدولة البطلمية، ولا دولة المماليك هي مصر الحديثة.

لكن خلف كل هذه التحولات ظلت حقيقة جغرافية وسياسية يصعب تجاهلها: من يحكم مصر، عليه أن يحكم وادي النيل .

وهنا فعلت الدولة شيئًا بالغ الأهمية في عملية الصهر الحضاري : فالوافد يستطيع أن يحتفظ بلغته وعقيدته وذاكرته زمنًا، لكن إقامته داخل مجال سياسي واحد، وتفاعله مع مؤسساته وأسواقه وصراعاته، ومشاركة الخوف والأمل والمصلحة والمصير، تضيف إليه مع الزمن طبقات جديدة من الانتماء.

ولهذا فإن المصرية لا تُبنى على إنكار نقطة البداية، وإنما على ما يحدث للإنسان بعدها.

وهنا يمكن استدعاء عبارة عميد الأدب العربي طه حسين

  (1889-1973) – دائمة الخضرة – في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» :

«مصر الجديدة لن تُبتكر ابتكارًا، ولن تُخترع اختراعًا». 

والمعنى في سياقنا، يتجاوز الدولة إلى الإنسان ؛ فالمصرى الجديد لا يولد في كل عصر من العدم، وإنما يرث فلكاً صنعته أجيال سبقته، ثم يدخل تجربته الخاصة إليه، ويضيف شيئًا ويأخذ أشياء، قبل أن يسلمه بدوره إلى من يأتي بعده.

ومن هنا نستطيع أن نصوغ « قانون التمصير الإنساني « كالتالي : –

كل رافد حضاري يستقر طويلًا في وادي النيل يدخل في علاقة مزدوجة مع مصر، يضيف شيئًا إلى تكوينها، بينما تعيد هي تشكيله داخل شروط المكان واللغة والذاكرة والحياة المشتركة والدولة المركزية؛ حتى يصبح، بعد زمن كافٍ، من المتعذر فصل ما أعطاه عما أخذه.

ولكي نرى نتيجة هذه الكيمياء، لا نحتاج معبدا أو بردية أو قصرا ملكيا.

يكفي أن نفتح باب إحدى حارات القاهرة التي أحبها نجيب محفوظ (1911-2006) هناك سنرى الكيمياء المصرية وقد خرجت من الكتب، و المعابد والقصور.

خرجت من أعمدة ميلاد حنا، وخرائط جمال حمدان، وذاكرة جان أسمان، ونظرية نوربرت إلياس.

وصارت تأكل وتضحك، وتحزن وتصلي، وتحب وتتشاجر وتحلم ، هناك سنجد السبيكة الذهبية وقد أصبحت إنسانًا.

إنسانًا يحمل روافد التاريخ ، ويعيش الدولة فكرةً وسيادةً، ويختصر آلاف السنين من عمليات الصهر الحضاري في كلمة واحدة؛ حين يُسأل مَن يكون، يجيب ببساطة : أنا مصري.

متعلق مقالات

أزمة نظام نزع السلاح في معاهدة عدم الانتشار النووي: وهم أم واقع؟
عاجل

التحول من الداخل: قراءة في المشهد الأمريكي المتغير

20 أغسطس، 2026
عودة الريادة لقلاع النسيج
عاجل

المرأة بعد الأربعين

20 أغسطس، 2026
د. خديجة حمودة - جريدة الجمهورية
عاجل

الجنرال صاحب أعظم إنجازات كرة القدم المصرية

20 أغسطس، 2026
المقالة التالية
الدكتور طلعت مصطفى 1 - جريدة الجمهورية

أخبار كاذبة  .. على حسابات وهمية

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ملحق الجمهورية التعليمي

الأكثر قراءة

  • برج الثور الرجل

    كل ما عليك معرفته عن برج الثور الرجل

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
  • الإعلامية سحر العوضي تحتفل بعيد ميلادها على نغمات كوكب الشرق والعندليب وبحضور نبيلة عبيد

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
  • تأهيل 400 شاب وفتاة مصريين للعمل في إيطاليا وإسبانيا عبر مسارات قانونية ومنظمة

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
  • سراج السيسي مديرًا تنفيذيًا لشبكة ON Sport

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
لوجو جريدة الجمهورية
جريدة الجمهورية هي صحيفة قومية أنشأتها ثورة 23 يوليو عام 1952, صدر العدد الأول منها في 7 ديسمبر 1953م, وكان الرئيس الراحل محمد أنور السادات هو أول مدير عام لها, ثم تعاقب على رئاسة تحريرها العديد من الصحفيين ويتولي هذا المنصب حالياً الكاتب الصحفي أحمد أيوب.

تصنيفات

  • أجراس الأحد
  • أخبار مصر
  • أهـلًا رمضـان
  • أهم الأخبار
  • إقتصاد و بنوك
  • الجمهورية أوتو
  • الجمهورية معاك
  • الدين للحياة
  • العـدد الورقـي
  • برلمان و أحزاب
  • تكنولوجيا
  • حلـوة يا بلـدى
  • حوادث و قضايا
  • رياضة
  • سـت الستـات
  • شهر الفرحة
  • عاجل
  • عالم واحد
  • عالمية
  • عرب و عالم
  • عقارات
  • فن و ثقافة
  • متابعات
  • مجتمـع «الجمهورية»
  • محافظات
  • محلية
  • مدارس و جامعات
  • مع الجماهير
  • مقال رئيس التحرير
  • مقالات
  • ملفات
  • منوعات

أحدث الأخبار

موقف مصر ثابت وداعم لأمن واستقرار ليبيا

موقف مصر ثابت وداعم لأمن واستقرار ليبيا

بقلم محسن الميري
20 أغسطس، 2026

تطوير منظومة التعليم وتحديث المناهج

تأهيل الطلاب بأحدث المعايير وأكثرها كفاءةً

بقلم محسن الميري
19 أغسطس، 2026

تطوير منظومة التعليم وتحديث المناهج

تطوير منظومة التعليم وتحديث المناهج

بقلم محسن الميري
19 أغسطس، 2026

  • سياسة الخصوصية
  • إتصل بنا – جريدة الجمهورية
  • من نحن – جريدة الجمهورية

جميع حقوق النشر محفوظة لـ دار التحرير للطبع والنشر - 2024 ©

لا توجد نتائج
كل النتائج
  • الرئيسية
  • أخبار مصر
  • ملفات
  • مدارس و جامعات
  • محافظات
  • رياضة
  • برلمان و أحزاب
  • فن و ثقافة
  • حوادث و قضايا
  • المزيد
    • تكنولوجيا
    • عرب و عالم
    • إقتصاد و بنوك
    • الجمهورية معاك
    • منوعات
    • متابعات
    • أجراس الأحد
    • عالم واحد
    • مع الجماهير
    • العـدد الورقـي
    • مقال رئيس التحرير
إتصل بنا

جميع حقوق النشر محفوظة لـ دار التحرير للطبع والنشر - 2024 ©