بَرَزَ الثَّعْلَبُ يَوْمًا، فى شِعارِ الواعِظينا، برز البرادعى مشككًا فى السلامة الإنشائية لمشروع محطة الضبعة النووية تماهيًا مع مزاعم أمريكية.
كعادته اكتفى بالشك والتشكيك وإثارة البلبلة، ثم دخل الجب لا يبين، سيعاود الظهور تاليًا مع اكتمال القمر.
أتحدث عن الدكتور «محمد البرادعى» الذى كان يومًا نائب رئيس جمهورية مصر العربية، غرد البرادعى مع حفظ الألقاب والمقامات بالسالب على مفاعل الضبعة النووى، معقبًا على تقرير صحيفة «بوليتيكو» الأمريكية الذى يزعم محرره وجود مشكلات تقنية وقصور فى ثقافة السلامة النووية لدى الشركة الروسية المنفذة لمحطة الضبعة النووية.
البرادعى تخلى عن حذره، وطفق يردد مزاعم أمريكية لا تستند إلى معلومات يقينية، وردت عليها هيئة الطاقة النووية ردًا علميًا وفنيًا بما يدحض مزاعم المجلة الأمريكية ويحيل معلوماتها هشيمًا تذروه رياح الحقيقة.
لافت، لم يعقب البرادعى على تقرير «رد» هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء الوطنية، تجاهله وكأنه لم يره، وأظنه لن يرد، بعد أن ألجم تقرير الهيئة كل المشككين، وأولهم البرادعى، حجرًا ثقيلاً من حجارة المشروع العملاق.
خبرة البرادعى فى المشروعات النووية، بحكم موقعه وعلمه، مدير عام سابق لوكالة الطاقة الذرية الدولية «IAEA»، «1 ديسمبر 1997، وحتى 2009»، تؤهله يقينًا لفحص ما ورد فى تقرير صحيفة «بوليتيكو» الأمريكية وبيان دقته وسلامته المعلوماتية وبنيته الموضوعية، فضلاً عن خبرته بمشروع المفاعل النووى المصرى «تحت التنفيذ» منذ أن كان فكرة، توفر له معلومات يقينية عن صيرورة العمل فى المفاعل، وقواعد البناء وإجراءات السلامة النووية، قطعًا خبرته بفرض موضوعيته، لا أقول حياديته، تمنعه من اللهاث السياسى وراء مزاعم لا تسندها حقائق، ما يثير الغبار المعلوماتى حول مشروع مصر النووى.
لا يشغلنى فى هذه السطور ما زعمته الصحيفة الأمريكية، وتكفلت هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء، بالرد الموثق والمدعوم بردود «روسية» حاسمة من قبل الشركات العالمية المنفذة للمشروع، وهى شركات دولية مشهود لها بالكفاءة، فضلاً عن سوابقها الناجحة فى بناء المفاعلات حول العالم.
ما يحزننى هو تفاعل البرادعى سلبًا مع تقرير أقل ما يوصف به أنه ملتبس، خاوٍ من المعلومات اليقينية، ويخالف البديهيات المرعية، ولا يفقه فقه بناء المفاعلات النووية.
لم يتروَّ البرادعى هنيهة، ولم يزن التقرير فى ميزانه الحساس، وطفق خفيفًا ملتاثًا يغرد بالتقرير، ما أكسب التقرير ذيوعًا على غير حقيقة، وتأصيلاً ليس له منه نصيب، عندما يغرد البرادعى بمزاعم موهومة وقد خبرها جيدًا خلال عمله مديرًا لوكالة الطاقة الذرية الدولية، ويعلم الأهداف المستترة خلفها، ويمدها بمدد إضافى من الكذب البواح فى مكايدة سياسية مفضوحة، أخشى أن يكون البرادعى جاوز القواعد العلمية والفنية التى كان يفتش عنها فى المشروعات النووية حول العالم.
البرادعى يغرد فى الملمات تغبطه التقارير السوداء، يتفاعل معها وكأنه يستبطن ثأرًا من الدولة المصرية، يغرد وكأنه ينصح، صحيح، لا خير فى ود امرئ متملق حلو اللسان وقلبه يتلهب، يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلب، من طرف اللسان، يغرد: «من الضرورى توضيح حقيقة ما يحدث تجنبًا لأى بلبلة ومشاكل مستقبلية»، ويروغ من تقرير «رد» هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء كما يروغ الثعلب، يتغافل عنه، يتجاهله.. وأتمنى عليه أن يرد معتذرا إذا واتته الشجاعة الأدبية .
لم يفت على تغريدة البرادعى ساعات، حتى انفجرت فى الفضاء الإلكتروني، والبرادعى قال، البرادعى يغرد، ساعات حتى أتاه الرد المبين، صفعه رد هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء، رد موثق مدعوم بالمعلومات الفنية، هل غرد البرادعى بعدها إيجابيًا، لا نقول أسفًا، ولا شاكرًا، أقله كما غرد فى غبطة بمزاعم الصحيفة الأمريكية، كان متوقعًا منه بصفته خبيرًا نوويًا كبيرًا يغرد باحترام وتقرير لحقائق هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء المصرية، لا يترك تغريدته اليتيمة سارحة فى الفضاء الإلكتروني، كالمسيرة الملغومة تنفجر فى الوجوه، تشكيكًا فى أهم مشروع وطنى حدث فى تاريخ المحروسة متزامنًا مع حفر قناة السويس الجديدة.
الكبار، ونظن الدكتور البرادعى كبير المقام، لا يتصاغرون، ولا يهزلون فى مواضع الجد، وما ينطقون «يغردون» إلا بحق، ويقفون موقفًا عادلاً ومنصفًا من وطنهم، مبدأ تهافت التهافت الذى يعتنقه البرادعي، يتهافت على صدى تهافت الصحيفة الأمريكية، يدخل فى باب المكايدات السياسية التى لا تليق بقامة البرادعي، مع حفظ الألقاب، وترديد المزاعم وتصديق الشائعات، والتغريد على الوطن كل حين بسوء يخالف المعلوم بالضرورة من حفظ عرض الأوطان، وعلى قول أمير الشعراء، «وطنى لو شغلت بالخلد عنه نازعتنى إليه فى الخلد نفسي»، وإذا كانت فى نفس البرادعى غصة سياسية غادر على أثرها الحياة السياسية وانكفأ على حاله الله يصلح حاله، يعالج حالة البرادعى النفسية، بيت شعر يعتنقه الوطنيون الخلصاء، «بلادى وإن جارت عليّ عزيزة.. وأهلى وإن ضنوا عليّ كرام».
ليس من أخلاق الكبار، تغرد طالبًا توضيحًا، وكأن ما طالعته فى الصحيفة الأمريكية حقيقة، وعندما يأتيك الخبر اليقين، برد علمى وفنى مفحم، تتجاهل الرد، معتنقًا الكذب. التماهى مع أجندات خارجية تستهدف الوطن ليس من أخلاق الوطنيين المقدرين، البرادعى مدَّ تقرير المجلة الأمريكية بمصداقية ليست له، وترجم مزاعم المجلة إلى حقائق، وغرد فى موقع شك وتشكيك، وصمت عند بيان الحقيقة، ولم يعتذر عن تغريدته، ولم يتأسف على حاله، ولم يبدِ ندمًا، بل صمت عن كبيرته فى حق الوطن، ولم يتب عنها أو يعتذر، والاعتذار من شيم الكبار.. لن أتجاوز فى وصف من هو كبير «يتكبر» عن فضيلة الاعتذار، وأتأسف وأرثى لحاله، معلوم فى كثير من الأحيان، الكِبر يفسد ما يُصلحه «اعتذار بسيط».









