لا يمكن لقارئ دقيق لحركة التاريخ والسياسة فى الشرق الأوسط أن يتعامل مع التنظيمات الإرهابية المتطرفة بوصفها كائنات معزولة أو أفكاراً نبتت صدفة فى الصحراء، بل هى سلسلة ممتدة من شجرة واحدة تنوعت أغصانها وتعددت أقنعتها، لكن جيناتها الفكرية والتنظيمية تظل واحدة وموحدة.
إن المتتبع للتحليلات الدراسية والدراسات البحثية المتخصصة فى التطور الفكرى لهذه التنظيمات يدرك تماماً أن الجماعات المتطرفة على اختلاف مسمياتها بدءاً من جماعة الإخوان الإهابية وصولاً إلى القاعدة وداعش ترتبط برباط فكرى وتنظيمى وثيق.
الجماعة الأم «الإخوان» لم تكن سوى المشروع الأول لتسييس الدين بغطاء مشروع سياسي، ومن رحمها والتسلسل الفكرى للتكفير والخطاب التعبوى خرجت باقى التنظيمات. حيث أثر فكر سيد قطب التكفيرى بشكل مباشر فى أيمن الظواهري، الذى تخرج بدوره على يديه أسامة بن لادن لتأسيس تنظيم القاعدة، ومن الرحم نفسه خرج أبو مصعب الزرقاوى ليشكل اللبنة الأولى لما عرف لاحقاً بتنظيم داعش.
إن خطورة هذا التنظيم لا تكمن فقط فى خطابه العلني، بل فى تلك «المنظومة المتشابكة» التى تبدأ بالفكرة، وتستغل المنصات الإعلامية، السجون، الساحات والواجهات الخيرية للتجنيد، مروراً ببناء الخلايا السرية وتأمين التمويل. وتوضح التحليلات العميقة أن أزمة هذه الجماعات تتجلى فى ارتهانها للجمود والبدائية فى التفكير والاستدلال المعرفي. وتلجأ فى أوقات أزماتها وسقوطها إلى الآليات الأيديولوجية نفسها القائمة على الخرافة والادعاءات والأوهام الغيبية لخدعة وخدش وعى أتباعها والتغطية على الفشل السياسى والميداني.
وعلى مدار تاريخها مع أنظمة الحكم فى مصر مثلاً، تراوحت إستراتيجيات التنظيم بين المداهنة والتوظيف المتبادل، واستخدام «القوة الخشنة» والاستقواء بالخارج. غير أن تجربتهم المباشرة فى السلطة كشفت عجزهم التام وتقويضهم للمفهوم الوطني، لتتحول علاقتهم بالدولة بعد ثورة 30 يونيو إلى مواجهة حتمية من أجل البقاء. إن سلوكهم لم يختلف عن سلوك المحتل الأجنبى فى نهب الثروات ومحو الهوية الوطنية، لكن ثورة الشعب كانت إنقاذا للوطن من هذا الاحتلال الفكرى والسياسي.
أما على الصعيد الإقليمي، كما فى الحالة السورية فقد انخرط الإخوان بداية كحركة مدنية فى الحياة البرلمانية، لكن عجزهم عن إجراء مراجعات فكرية ومكاشفة صريحة لأخطاء الماضى أدى بهم إلى أزمة إستراتيجية ومصيرية، وضعتهم بين خيارين لا ثالث لهما، إما المراجعة الشاملة وإعادة الهيكلة، أو القبول بالحل والتصفية التنظيمية النهائية.
إن التطورات الراهنة تؤكد أن معركة المواجهة مع الإرهاب ليست أمنية أو عسكرية فحسب، بل هى بالأساس معركة فكرية لاستئصال الجذور التى تغذى هذه الشجرة السامة.








