«أنت حر ما لم تضر» هكذا يجب أن يكون مفهومنا للحرية المسئولة التى تنهض بالوطن والمواطن، فحريتك تتوقف عند حرية الآخرين وحقوقهم، ولكن للأسف هناك كثيرون يجهلون أو يتجاهلون تلك الحقيقة ويريدونها حرية مطلقة تصل إلى حد الفوضى العارمة، ولنا فيما حدث مؤخرا فى «الساحل الشرير» المثل والعبرة من تصرفات وأفعال، بل واستفزاز بعض ممن يطلق عليهم «نجوماً» ويعتبرهم الكثيرون للأسف قدوة ورافداً مهماً من روافد القوة الناعمة للدولة التى باتت أحد أهم أسلحة مواجهة حروب الجيلين الرابع والخامس.
وللحديث عن القوة التى ترتكز عليها الدولة.. أى دولة.. يمكن القول إنها تنقسم إلى نوعين؛ الأول قوة صلبة أو خشنة، وهى التى تعتمد على مصادر الإكراه، وإجبار الآخرين على تنفيذ إرادتي، ومن أبرز أدوات هذا النوع، الأداة العسكرية والاقتصادية، الثانى القوة الناعمة، وهى التى تعتمد على مصادر الترغيب، ودفع الآخر على تنفيذ إرادتى طوعا.. إعجابا بمنهجى وباعتبارى نموذجا يحتذي، ويجب دعمه ومساعدته على النجاح، ومن أبرز أدواتها الفنون والإعلام والثقافة والتقدم العلمى ومنظومة القيم الشعبية والنظام السياسي، والعلاقة بينهما طردية تبادلية، فنجاح الدولة فى مجال السياسة الدولية مرتبط ارتباطا وثيقًا بمدى نجاحها فى استثمار قوتها الناعمة، وتوظيفها فى الترويج لقوتها الصلبة، والعكس صحيح تماما.
ولا أخفيكم سرا أن القوة الناعمة فى مصر باتت هاجساً لدى كثير من المؤسسات المعنية، ولا أدرى إن كان هذا نابعا من إدراك عميق لمدى أهمية تأثيرات هذه القوة، أم بسبب شعور ما بأنها تراجعت وينبغى العمل على إعادتها إلى مكانتها التى جعلتها بمثابة «سطوة محببة» إن جاز التعبير على قلوب وعقول جماهير شتي؟!
ومن هذا المنطلق ينبغى البحث عن وضع القوة الناعمة المصرية فى الوقت الحالي، فى ظل المنافسة الشديدة، خاصة أن رواد هذه القوة وأبرزهم بالطبع العاملون فى عالم الفن والأدب والإعلام والثقافة ينقسمون لفرق، بعضهم يحظى بفرص ضخمة والآخر يعانى ويخرج من الصورة ويبدو ناقماً، وفريق ثالث يقاوم ويحاول.
لكن بطبيعة الحال فإن القوة الناعمة فى مجالات أخرى مثل الرياضة والمؤسسات الدينية والتعليمية وغيرها، فى حاجة إلى نظرة أيضاً، وبخاصة أن هذا السلاح الشديد تأثيره يبدو فعالاً بصورة تفوق فى بعض الأوقات القنوات الدبلوماسية التقليدية نفسها، وإن كانت هذه القنوات جزءاً منه أو على الأقل تؤثر فى وضعه وحاله، حيث تتخذ المؤسسات المعنية مسارات تبدو جاذبة وجماهيرية تؤثر فى الناس بلا حواجز، وتعمل كدعاية تلقائية للبلد وثقافتها وصورتها الذهنية من دون استعمال أسلوب الدعاية المباشر المتمثل فى الإنفاق ببذخ، أو الإلحاح على الترويج لمنتج ما أو فكرة.
وقديما أو فيما يطلق عليه زمن الفن الجميل، كان النجوم والمبدعون حرصين على تقديم الثقافة العربية والهوية المصرية، وكانوا يقومون بتعريف الناس من هم إحسان عبدالقدوس ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم وغيرهم من العظماء، وكان كبار الفنانين متفرغين للفن فقط، ويقدمون كل ما هو راق.
للأسف تغير الحال كثيرا فى هذا الزمن فكل الموضوعات المعروضة أو معظمها لا تعنى المشاهد ولا تخصه، و معظم ما يعرض على الشاشات لا يشبه أحدا، وما هو إلا فوضى وعنف وصراع كل هذه الأشياء المعروضة تدمر العلاقة بين المنتج الفنى والمشاهد وكذلك الحال بالنسبة لما يقدم فى الاحتفالات والمهرجانات إلا ما رحم ربي!!
فلو سألنا أحد المشاهدين الكبار فى السن عن أفضل ما يعرض هذه الأيام، لا تجد إجابة، فهو قد تربى على ثقافة منضبطة.









