تتسارع أزمات العالم وتتداخل فيه تداعيات الحروب مع التحولات السياسية والأمنية والرقمية، فلم تعد بؤر التوتر منفصلة عن بعضها البعض، بل أصبحت حلقات متصلة فى مشهد عالمى شديد التعقيد.. فمن غزة والضفة الغربية، حيث لا تزال تداعيات الحرب وترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار تواجه تحديات سياسية وإنسانية وأمنية، إلى مضيق هرمز الذى تحول إلى ورقة ضغط فى الحسابات الإيرانية والأمريكية، وأفغانستان التى تكشف سنوات ما بعد عودة طالبان عن هشاشة الاستقرار، وصولاً إلى تصاعد الإسلاموفوبيا وخطاب الكراهية فى الفضاءين الرقمى والواقعى.
وبينما تتغير أدوات الصراع، من المواجهات العسكرية التقليدية إلى الضغوط الاقتصادية والحرب الرقمية وخطابات التحريض، تظل الحقيقة الأبرز أن الأمن والاستقرار لا يمكن تحقيقهما بمجرد إدارة الأزمات أو احتواء تداعياتها؛ وإنما يتطلبان معالجة جذور الصراعات والهشاشة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التى تمنح التطرف والكراهية بيئة لإعادة إنتاج نفسيهما.
تدخل القضية الفلسطينية مرحلة شديدة التعقيد، حيث هشاشة التهدئة فى قطاع غزة مع تعثر ترتيبات ما بعد الحرب، وتصاعد التوتر فى الضفة الغربية، واستمرار التداعيات الإنسانية. وبينما تحاول الإدارة الأمريكية دفع خطة للسلام وإنهاء الحرب، تصطدم الجهود بخلافات حول نزع سلاح حركة حماس، والانسحاب الإسرائيلى، ومستقبل إدارة غزة وأمنها وإعادة إعمارها، بالتوازى مع استمرار الاستيطان وعنف المستوطنين والتهجير والسيطرة على الأرض والموارد فى الضفة.
وتزداد صعوبة التوافق الإسرائيلى بفعل الحسابات السياسية الداخلية فى إسرائيل وضغوط القوى اليمينية، فيما تواجه إدارة ترامب اختبارًا يتمثل فى تحويل المبادرة إلى مسار قابل للتنفيذ دون صدام مع الحكومة الإسرائيلية.. ومن ثم، فإن نجاح الخطة لن يتوقف على مضمونها فقط، بل على قدرة واشنطن على تضييق الفجوة بين الأطراف وضمان مشاركة إقليمية ودولية فى ترتيبات ما بعد الحرب.
ورغم الجدل السياسي، لا تزال التداعيات الإنسانية فى غزة قائمة، فقد أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية «أوتشا» فى تقريره الصادر فى 14 أغسطس أن معظم سكان القطاع مازالوا نازحين ويعيشون ظروفًا قاسية، ووفق بيانات وزارة الصحة فى غزة، قُتل 7 فلسطينيين وأصيب 28 آخرون بين 5 و12 أغسطس، ليرتفع عدد الوفيات المُبَلَّغ عنها منذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار فى 10 أكتوبر 2025 إلى 1,259 وفاة و4,148 إصابة، كما سجلت منظمة الصحة العالمية خلال 2026، 45 هجومًا أثرت فى خدمات الرعاية الصحية، وقع نحو نصفها فى رفح، وأدت إلى عرقلة الإجلاء الطبى وتقديم الرعاية.
وتتجاوز الأزمة الغذاء والدواء إلى المياه والإصحاح وإعادة التأهيل؛ إذ أظهر مسح مطلع يوليو أن 90 ٪ من سكان غزة يواجهون انقطاعات متكررة فى الحصول على مياه آمنة وموثوقة، مقابل 84 ٪ فى يونيو، كما تقدر مجموعة العمل المعنية بإعادة التأهيل أن نحو ربع المصابين منذ أكتوبر 2023 يعانون إصابات قد تغير حياتهم، بينها البتر وإصابات الحبل الشوكى والدماغ، مع غياب خدمات متخصصة لإعادة تأهيل الأطفال داخل القطاع.
وبذلك، فإن أى تسوية سياسية لن تكون مكتملة بمجرد وقف إطلاق النار، بل ستواجه ملفات إعادة الإعمار، وإعادة تأهيل المصابين، واستعادة الخدمات الأساسية، وتوفير المياه وإعادة توطين النازحين.
وفى الضفة الغربية، سجل تقرير «أوتشا» 38 حادثًا مرتبطًا بهجمات مستوطنين خلال أسبوع واحد، أدت إلى إصابات فلسطينية أو أضرار بالممتلكات، وتكشف هذه الوقائع أن الأزمة لا تتعلق فقط بمستقبل غزة، بل بمسار موازٍ فى الضفة يرتبط بالاستيطان والعنف والتهجير والسيطرة على الأرض والموارد، بما يجعل تجاهل الضفة فى أى تسوية مستقبلية عاملاً لإعادة إنتاج الصراع.
واختزال الأزمة فى الخلاف حول نزع سلاح حماس أو الانسحاب الإسرائيلى يقدم قراءة جزئية؛ فحتى إذا نجحت واشنطن فى تجاوز العقبة الحالية، ستظل أسئلة أخرى مطروحة: من يحكم غزة؟ ومن يضمن أمنها؟ وكيف يتم نزع السلاح؟ ومن يمول إعادة الإعمار؟ وكيف يعاد توحيد المؤسسات الفلسطينية؟ وما مستقبل الضفة والاستيطان؟
وتشير التطورات إلى أن معالجة غزة بمعزل عن الضفة قد تنتج تسوية جزئية لا تعالج جذور القضية، ولذلك فإن أى سلام مستدام يحتاج إلى رؤية مترابطة لمستقبل غزة والضفة الغربية.
اختزال السلام
التطورات الفلسطينية تؤكد أن إنهاء الصراع لا يمكن أن يقوم على المقاربة الأمنية وحدها، كما لا يمكن اختزال السلام فى ترتيبات لوقف إطلاق النار فاستمرار معاناة المدنيين فى غزة، وتدهور الخدمات الأساسية، وتصاعد عنف المستوطنين فى الضفة، والتعثر فى تحديد ترتيبات الحكم والأمن بعد الحرب، كلها عوامل قد تعيد إنتاج التوتر والعنف، وأى مسار جاد للسلام ينبغى أن يقوم على حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وإعادة إعمار غزة، وتوفير المياه والخدمات الصحية، ووقف الممارسات التى تدفع إلى التهجير، ومواجهة عنف المستوطنين، والحفاظ على وحدة الأراضى الفلسطينية، وإطلاق مسار سياسى واضح يعالج جذور الصراع ويضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، واستدامة السلام لا تتحقق بمجرد إسكات السلاح، وإنما بإزالة الظروف السياسية والإنسانية والاجتماعية التى تجعل عودته ممكنة، وسيكون التحدى الأكبر فى مرحلة ما بعد الحرب هو إعادة بناء الإنسان والمؤسسات والثقة، إلى جانب إيجاد أفق سياسى حقيقى يحول دون تحول التهدئة إلى هدنة مؤقتة تسبق دورة جديدة من العنف.
التطرف حول العالم
تتجاوز الأزمات الحالية فى إيران وأفغانستان حدود المواجهات العسكرية المباشرة، لتضع المنطقة أمام معادلة أمنية جديدة تثبت أن غياب الصراع المباشر لا يعنى التعافي، وبين تحويل الممرات البحرية الإستراتيجية إلى أوراق ضغط تفاوضية، وتفاقم الأزمات الإنسانية والحقوقية وتمدد التنظيمات الإرهابية، ويبرز التحدى الأكبر فى كيفية الانتقال من مجرد إدارة الأزمات إلى معالجة جذور الهشاشة السياسية والاجتماعية التى تعيد إنتاج العنف؟
حيث تدخل الأزمات فى إيران وأفغانستان مرحلة تتجاوز المواجهات الأمنية المباشرة، لتتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع أمن الملاحة الدولية، والإرهاب، وحقوق الإنسان، وحرية الإعلام، والنزوح ومخلفات الحروب.
وبينما يتحول مضيق هرمز إلى ورقة ضغط فى التفاوض بين طهران وواشنطن، تكشف الذكرى الخامسة لعودة طالبان إلى الحكم عن واقع أفغانى لا يزال مثقلاً بأزمات أمنية وإنسانية وحقوقية، بما يؤكد أن انخفاض مستوى العنف لا يعنى بالضرورة تحقق الاستقرار الشامل، وقد برز مضيق هرمز باعتباره إحدى أكثر نقاط التوتر حساسية فى المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، بعدما ربطت طهران إعادة فتحه بتحقيق مجموعة من المطالب السياسية والاقتصادية والأمنية، من بينها رفع العقوبات وإنهاء الحصار البحرى والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة ودفع تعويضات الحرب، فضلاً عن إنهاء التهديدات الموجهة إليها.
وتتجاوز أهمية هذه المطالب الخلاف الثنائي، نظرًا إلى المكانة الإستراتيجية للمضيق وتأثيره فى حركة التجارة والطاقة عالميًا، ومن ثم، فإن تحويل حرية الملاحة إلى ورقة تفاوضية يرفع كلفة أى تصعيد محتمل، ويجعل أمن الممرات البحرية جزءًا من معادلة أوسع تتصل بالملف النووى والعقوبات والصراعات الإقليمية.
وفى المقابل، لاتزال قنوات التفاوض والوساطة قائمة، للمساعدة فى خفض التوتر وضمان حرية الملاحة، ويكشف ذلك عن مفارقة واضحة تتمثل فى تصعيد الخطاب السياسى مقابل الإبقاء على قنوات التفاوض مفتوحة، بما يوحى بمحاولة الأطراف تحسين مواقعها التفاوضية دون إغلاق باب التسوية.
وفى الوقت ذاته، حافظت طهران على خطاب أمنى متشدد، متوعدة بالرد على أى تدخل عسكرى أمريكي، بينما اتهم مسئولون إيرانيون الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلى باستخدام شبكات تجسس وتقنيات الذكاء الاصطناعى فى عمليات استهدفت إيران، وتظل هذه الاتهامات، فى ظل غياب أدلة مستقلة كافية، جزءًا من الرواية الإيرانية الرسمية، لكنها تعكس تنامى حضور الذكاء الاصطناعى فى الخطاب المرتبط بالحروب والاستخبارات والصراعات الحديثة.
عودة طالبان
وبعد خمس سنوات على عودة طالبان إلى السلطة، تبدو أفغانستان أمام معادلة تتجاوز الاستقرار الأمني، فى ظل استمرار نشاط الجماعات الإرهابية والمعارضة المسلحة، وتفاقم أزمة حقوق النساء والفتيات، ومخلفات الحرب، وتراجع حرية الإعلام، فضلاً عن الأزمات الاقتصادية والإنسانية، وقد جاءت أفغانستان فى المرتبة الأخيرة عالميًا فى مؤشر المرأة والسلام والأمن 2025/2026 الذى شمل 181 دولة، مسجلة 0.275 من .1 ولا تزال الفتيات محرومات من التعليم بعد الصف السادس، فيما حُرمت أكثر من 2.2 مليون فتاة مراهقة من التعليم، إلى جانب القيود المفروضة على مشاركة النساء فى العمل والحياة العامة.
ولا تقتصر خطورة هذه السياسات على الجانب الحقوقي؛ فإبعاد النساء والفتيات عن التعليم والعمل يهدد رأس المال البشرى ويُحد من فرص التنمية والاستقلال الاقتصادي، ما يجعل قضية المرأة جزءًا أساسيًا من معادلة الاستقرار، ولا تزال مخلفات الصراع تحصد أرواح المدنيين؛ ففى ولاية غزنى قُتل ثلاثة أطفال وأصيب ثلاثة آخرون إثر انفجار رأس صاروخ من مخلفات الحرب.
وتشير البيانات أن نحو 3.3 ملايين شخص يعيشون على مسافة لا تتجاوز كيلومترًا واحدًا من مناطق ملوثة بالألغام والمواد المتفجرة، بينما سُجلت خلال 2025 نحو 471 حالة وفاة وإصابة بين المدنيين، وكان الأطفال يمثلون نحو 67 ٪ من الضحايا، وتؤكد هذه الأرقام أن آثار النزاعات المسلحة قد تستمر لسنوات بعد توقف المعارك، وأن إزالة الألغام والتوعية بمخاطر المتفجرات وإعادة تأهيل المناطق المتضررة ينبغى أن تكون جزءًا من إستراتيجية التعافى وإعادة البناء، ولا تزال طالبان تواجه تحديات من جبهات معارضة مسلحة، بينها جبهة المقاومة الوطنية وجبهة الحرية والجبهة المتحدة الأفغانية، التى أعلنت تنفيذ هجمات فى عدد من الولايات، بينما نفت طالبان بعض الادعاءات المتعلقة بالسيطرة على مواقع تابعة لها، كما ظهرت مؤشرات محدودة على خلافات داخلية، مع إعلان أحد القادة الساخطين فى طالبان استمرار القتال ضد الحركة فى بدخشان، وهى تطورات تستحق المتابعة وإن كانت المعطيات الحالية لا تسمح باعتبارها تهديدًا وجوديًا للحركة.
أما التهديد الأكثر وضوحًا فيتمثل فى داعش-خراسان، الذى وصفه تقرير فريق مراقبة العقوبات التابع لمجلس الأمن بأنه أكبر تهديد إرهابى لطالبان وللمنطقة، ورغم الخسائر التى تَعرَّض لها التنظيم، فإنه لا يزال قادرًا على إعادة بناء صفوفه وتنفيذ هجمات مؤثرة، ويمتلك قدرات تشمل الطائرات المسيرة ومعدات الرؤية الليلية والتصوير الحراري.
كما يستمر وجود تنظيم القاعدة والحركة الإسلامية لتركستان الشرقية، إلى جانب تعقيدات أمنية مرتبطة بالجماعات المسلحة على الحدود الأفغانية-الباكستانية، وتكشف هذه المعطيات أن إضعاف التنظيمات الإرهابية عسكريًا لا يعنى القضاء على قدرتها على إعادة إنتاج نفسها، خاصة فى بيئة تتسم بحدود هشة وفراغات أمنية ومظالم محلية.
ويمثل تراجع الإعلام المستقل أحد أبرز مؤشرات التحول فى أفغانستان، فقد أفادت منظمة «ناي» فى 12 أغسطس 2026 أن نحو 5 آلاف من العاملين السابقين فى الصحافة والإعلام يعانون البطالة، وأن نحو 60 ٪ من وسائل الإعلام التى كانت نشطة خلال فترة الجمهورية توقفت عن العمل، كما وثقت المنظمة أكثر من 700 حالة عنف ضد الصحفيين والعاملين فى الإعلام خلال السنوات الخمس الماضية، بينها نحو 400 حالة اعتقال أو سجن، فضلاً عن مقتل ستة صحفيين على الأقل.
وتشير هذه الأرقام أن الأزمة لا تتعلق بحرية الصحافة وحدها، وإنما بإعادة تشكيل المجال العام وقدرة المجتمع على الوصول إلى معلومات مستقلة وموثوقة، فضلاً عن ارتفاع مخاطر انتشار الأخبار غير الدقيقة والدعاية الأحادية.
تكشف تطورات إيران وأفغانستان عن أزمات مختلفة فى أدواتها ومظاهرها، لكنها تلتقى فى حقيقة أساسية: أن الاستقرار لا يمكن اختزاله فى انخفاض مستوى العنف أو غياب المواجهات العسكرية واسعة النطاق. ففى إيران، تتقاطع أزمة مضيق هرمز مع العقوبات والملف النووى والصراعات الإقليمية وأمن الطاقة والملاحة، بينما تكشف أفغانستان عن أزمة ممتدة تتداخل فيها قضايا الإرهاب وحقوق المرأة والتعليم والإعلام ومخلفات الحرب والمعارضة المسلحة.
ومن هنا، فإن معالجة هذه الأزمات تتطلب الانتقال من إدارة الأعراض إلى معالجة جذورها؛ فالاستقرار الحقيقى يقاس بقدرة الدولة على حماية المدنيين، وضمان الحقوق الأساسية، وإتاحة التعليم والعمل، وتوفير المعلومات المستقلة، وتجفيف مصادر الإرهاب، وإعادة بناء المؤسسات.
والدرس الأبرز يتمثل فى أن الأمن المستدام لا يُبنى بالإجراءات الأمنية وحدها؛ فكلما بقيت أسباب الهشاشة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والحقوقية دون معالجة، ظلت فرص إعادة إنتاج العنف قائمة. ومن ثم، تستلزم المواجهة الفاعلة الجمع بين الرصد الاستباقى والعمل الأمني، والوقاية الفكرية، وحماية الفئات الأكثر هشاشة، ودعم التعليم والإعلام المستقل، وتعزيز سيادة القانون، وتجفيف مصادر التمويل، ومعالجة الأزمات التى تستغلها الجماعات المتطرفة فى التجنيد والاستقطاب.
فالإرهاب قد يغير أدواته وشبكاته وخطابه، والأزمات قد تتبدل ساحاتها، لكن منع عودتها يبدأ من بناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود؛ مجتمعات لا تكتفى بإطفاء الحرائق بعد اشتعالها، وإنما تعمل على إزالة البيئة التى تسمح باشتعالها من جديد.
خطاب الكراهية
تشهد أوضاع المسلمين ومظاهر الإسلاموفوبيا وخطاب الكراهية تفاعلات متشابكة تمتد من الفضاء الرقمى إلى المجال السياسى والاجتماعى والقانوني، فى ظل تصاعد المخاطر التى تواجه الأطفال والشباب على الإنترنت، وفى مقدمتها التضليل والتحرش والاستقطاب والتحيزات الخوارزمية والاستخدامات الضارة للذكاء الاصطناعي.
وفى عدد من الدول الغربية، برزت وقائع تعكس استمرار الجدل حول الإسلام والمسلمين، سواء عبر خطابات سياسية تربط الإسلام بالأمن والتطرف، أو الاعتداءات على المساجد والرموز الدينية، أو تنامى المحتوى المتطرف على منصات التواصل، مقابل جهود مجتمعية ومؤسسية لمواجهة الإسلاموفوبيا وتعزيز الحوار والاندماج.
وحذرت الأمم المتحدة من المخاطر التى يواجهها الأطفال والشباب على الإنترنت، مشيرة إلى أن أكثر من 8 من كل 10 شباب بين 15 و24 عامًا يستخدمون الإنترنت عالميًا، وأن الشباب فى الدول منخفضة الدخل يتصلون بالإنترنت بمعدل يقارب ضعف بقية السكان.
وتزداد خطورة البيئة الرقمية مع نماذج الأعمال التى تكافئ المحتوى القادر على إثارة التفاعل والغضب، بما قد يمنح خطاب الكراهية والمحتوى المتطرف قدرة أكبر على الانتشار، ومن ثم، فإن المشكلة لا تكمن فى التكنولوجيا ذاتها، وإنما فى كيفية توظيفها، الأمر الذى يجعل بناء الوعى الرقمى جزءًا أساسيًا من الوقاية من التطرف والكراهية، خصوصًا فى ظل تنامى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى فى إنتاج المحتوى المضلل والمتحيز وإعادة نشره على نطاق واسع، وبرزت فى الولايات المتحدة وقائع تعكس انتقال بعض المخاوف المرتبطة بالإسلام من المجال الأمنى إلى المجال السياسى والانتخابي، ففى تكساس، تحوّل مشروع «لا تفرضوا الشريعة على تكساس» إلى مشروع «ترو تكساس»، وتضمنت فعالياته موضوعات حول «وقف الإسلام» و»الأسلمة والقانون فى تكساس»، فيما دعا نائب الحزب الجمهورى دان باتريك إلى دراسة منع قانون الشريعة فى الولاية.
وأشار تقرير فى بريطانيا لـ»Democracy Open» إلى تسجيل أكثر من 70 هجومًا على المساجد خلال العام الماضي، بمعدل حادثة كل خمسة أيام، وفق «British Muslim Trust»، وكشف تحقيق لـ»ABC News Australia» فى أستراليا عن تمكن صفحة نازية جديدة تحمل اسم «Out and Out» من تحقيق عوائد مالية عبر برنامج تحقيق الدخل من المحتوى على فيسبوك، بما يبرز البعد الاقتصادى لخطاب الكراهية، ويكشف خطورة تحويل المحتوى المحرض على الغضب والانقسام إلى مصدر للربح، وأظهر الجدل فى ألمانيا حول تخريب لافتة تشير إلى موعد صلاة الجمعة فى مدينة بينتسبرج انتقال مظاهر العداء للمسلمين من المجال الإلكترونى إلى استهداف الرموز الدينية فى المجال العام، كما أعلنت منظمة CLAIM تسجيل 4096 حادثة معادية للمسلمين خلال 2025.
وتكشف هذه الوقائع أن أحد أهم أسباب انتشار الإسلاموفوبيا هو تصرفات التنظيمات المتطرفة مثل الإخوان فى دول أوروبا وما تحدثه من حالة رعب وعداء غربى للإسلام بسبب تشددها وإرهابها، كما أن مواجهة الإسلاموفوبيا تتطلب النظر إلى المجالين الرقمى والواقعى باعتبارهما متداخلين؛ فما ينتشر عبر المنصات يمكن أن يتحول إلى ممارسة اجتماعية أو سياسية، والعكس صحيح، بما يجعل التصدى للمحتوى المحرض جزءًا من الوقاية من الاعتداءات الواقعية.
بالطبع مكافحة التطرف لا تعنى التضييق على حرية الاعتقاد، كما أن مكافحة الإسلاموفوبيا لا تعنى منع النقد الموضوعى للأفكار أو التنظيمات المتطرفة التى تمثل أهم أسباب الظاهرة؛ فالحد الفاصل حماية الإنسان من التمييز بسبب دينه أو هويته، مع محاسبة من يمارس العنف أو التحريض عليه أيًا كانت هويته أو أيديولوجيته.
ولا ينبغى قياس نجاح مكافحة التطرف بعدد الهجمات المحبطة أو الخلايا المفككة، ولا مواجهة الإسلاموفوبيا بمجرد انخفاض الاعتداءات المسجلة، وإنما بقدرة المجتمعات على بناء بيئة تقل فيها قابلية الأفراد للاستقطاب، وتحظى فيها الأقليات بالحماية المتساوية، ويتمتع اللاجئون بحقوقهم الأساسية، ويستطيع الأطفال والشباب التعامل بوعى مع الفضاء الرقمي.
المعركة الحقيقية لا تنتهى بتفكيك خلية أو إدانة حادثة كراهية، وإنما تتحقق بقدرة المجتمع على منع إعادة إنتاج الفكرة المتطرفة وخطاب الكراهية فى صور جديدة؛ وهو ما يجعل بناء الوعي، وترسيخ كرامة الإنسان وحرمة الدماء وحرية الاعتقاد والمواطنة والتعايش، وتعزيز المسئولية الأخلاقية فى الفضاء الرقمي، إلى جانب العمل الأمنى الفعال، ركائز أساسية لمواجهة مستدامة للتطرف والإرهاب والكراهية.









