ما زال قطاع غزة يحكى روايات الصمود والأمل رغم قسوة الحرب ومرارة النزوح التى عاشها الفلسطينيون على مدى أكثر من عامين من الإبادة الإسرائيلية المتعمدة. «الإصرار على البقاء» هو عنوان كل الحكايات، فتحت القصف المتواصل من قوات الاحتلال، ومن بين الحطام المتناثر فى كل مكان، تنبض الحياة من جديد لتؤكد أن التمسك بالأرض لم يكن من فراغ، لكنه إيمان راسخ أن الأرض لأهلها ولا مكان للغاصب.
فى جباليا، شمال القطاع، عادت سيدة فلسطينية تدعى نيفين الأشقر إلى منزلها بعد نحو عامين من النزوح، كانت تعرف قبل أن تطأ قدماها المكان، أن البيت الذى تركته ذات يوم لم يعد كما كان، لكنها أصرت البحث عن شيء نجا من الحرب.
لم يخب أمل نيفين، فمن بين أكوام الركام، كان هناك شيء آخر ينتظرها.من شق صغير وسط الأنقاض، خرج سرب من النحل، حيث كانت تعمل قبل الحرب كنحالة.
تتبعت نيفين حركة النحل حتى عثرت على خلية بقيت حية، وحيدة وسط المكان الذى تحوّل إلى حطام. لم يكن فى المشهد ما يشبه المنحل الذى عرفته الأسرة قبل الحرب، ولا المعدات التى احتاجت سنوات لتجميعها، ولا البيئة الزراعية التى اعتاد النحل أن يجد فيها غذاءه.
لم تكن مجرد خلية نجت بالصدفة، لكنها كانت شيئاً يمنح الحياة فرصة لتبدأ من جديد. قبل الحرب، كانت تربية النحل مصدر رزق للأسرة، وكانت الخلايا تعنى عملاً، والعسل يعنى دخلاً، والمنحل يعنى حياة لها تفاصيلها ومواسمها.
أصبحت «خلية نيفين» علامة على أن شيئاً ما يمكن أن يبقي، حتى عندما يبدو كل شيء آخر مهدماً. لا تعرف نيفين كم ستحتاج من الوقت حتى تتحول هذه الخلية إلى حياة جديدة، ولا تعرف إن كانت الظروف ستسمح لها بإعادة بناء المنحل الذى كان لعائلتها.. لكنها تعرف شيئاً واحداً: أنها لن تبدأ من لا شيء. ففى المكان الذى لم يبقَ فيه تقريباً شيء، كان هناك نحل ما زال يطير، ومن خلية واحدة، بدأت نيفين محاولتها للخروج من الركام.









