طرح الرئيس عبد الفتاح السيسى خلال اجتماعه مع وزير المالية أحمد كجوك فكرة إصدار صكوك ضريبية يمولها الممولون، على أن يتم خصم قيمتها من التزاماتهم الضريبية المستقبلية، مع حصولهم على عائد مناسب. واللافت فى هذا المقترح أنه لا يستهدف زيادة العبء الضريبى على الممولين، وإنما يبحث عن طريقة مختلفة لإدارة السيولة والاحتياجات التمويلية للدولة.
من وجهة نظرى، أهمية الفكرة لا تكمن فقط فى كونها أداة مالية جديدة، وإنما فى التوقيت الذى تظهر فيه، مع استمرار الدولة فى البحث عن وسائل لخفض الاحتياجات التمويلية وتقليل تكلفة خدمة الدين. ووفق ما تم الإعلان عنه عقب الاجتماع، فإن الهدف الأساسى من المقترح هو خفض الاحتياجات التمويلية للدولة، وبالتالى خفض فاتورة خدمة الدين.
وهنا تكمن النقطة الاقتصادية الأهم. فالممول الذى يكتتب فى الصك يدفع أموالًا للدولة فى الوقت الحالى، وفى المقابل يحصل على أداة يمكن استخدامها فى سداد التزاماته الضريبية المستقبلية، إلى جانب العائد المحدد عليها. وبذلك تتحول الالتزامات الضريبية المستقبلية إلى مصدر للسيولة الحالية، وهو ما يمكن أن يمنح المالية العامة مساحة أكبر لإدارة احتياجاتها التمويلية.
والفكرة ليست مستحدثة من الناحية التشريعية، فالمادة 115 من قانون الضريبة على الدخل تنص على جواز إصدار صكوك ضريبية يكتتب فيها الممولون، وتحمل عائدًا معفى من الضرائب يحدده وزير المالية، كما تمنح الصكوك والعوائد المستحقة عليها قوة الإبراء عند سداد الضرائب المستحقة.
لكن الانتقال من النص القانونى إلى التطبيق العملى هو الاختبار الحقيقى، فنجاح الصكوك الضريبية سيتوقف على تفاصيل لم تعلن بعد، وفى مقدمتها حجم الإصدار، وآجاله، وقواعد الاكتتاب، وطريقة احتساب العائد، وكيفية استخدام الصك فى سداد الالتزامات الضريبية.
وهنا يجب أن تكون الأولوية هى تحقيق معادلة متوازنة.
كما أن عنصر الثقة سيكون حاسمًا. فالممول لن ينظر إلى العائد فقط، بل إلى وضوح القواعد واستقرارها وسهولة استخدام الصك مستقبلًا. وكلما كانت الآلية بسيطة وشفافة وقابلة للتنفيذ دون تعقيدات، زادت فرص نجاحها.
وفى تقديرى، يجب ألا ينظر إلى الصكوك الضريبية باعتبارها حلًا منفردًا لمشكلة الدين، وإنما كأداة ضمن منظومة أوسع لإدارة المالية العامة. فخفض تكلفة الدين يحتاج بالتوازى إلى استمرار الإصلاحات، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتحسين كفاءة التحصيل، وزيادة الإنتاج والصادرات، وتعزيز دور القطاع الخاص.
الأهم أن تقاس التجربة بنتائجها الحقيقية، وليس بحجم الأموال التى يمكن جمعها. فإذا استطاعت الدولة الحصول على سيولة بتكلفة مناسبة، وحصل الممول على عائد عادل وأداة واضحة لسداد التزاماته، فإن المقترح يمكن أن يتحول من فكرة تمويلية إلى تجربة مهمة فى تطوير إدارة المالية العامة.








