يقول الأحباش: الأمطار تتساقط فوق هضبتنا الإثيوبية وتتجمع فى بحيراتنا وتنطلق إلى النهر الخائن «النيل الأزرق» ونحن نقوم بترويضه وتهذيبه بإقامة السدود عليه وهذا حقنا ولن نقبل بفيتو يملى علينا ما نفعل وما لا نفعل، تصريحات إثيوبية متتالية مثيرة ومستفزة تستهدف استفزاز مصر ونقل معركة سد إثيوبيا إلى معركة جديدة لثلاثة سدود جديدة، اثيوبيا لديها أزمة داخلية طاحنة تهدد بقاء الدولة ومن هنا تبحث عن عدو وقضية تجمع حولها الشعب الإثيوبي، لكن المؤكد أن إثيوبيا نهاية طرفية تحركها أصابع صهيونية وإقليمية للتحكم فى محبس المياه لمصر، لكن مصر تتحرك وفق قواعد حكيمة وقانونية وتمارس صبراً إستراتيجياً، لكن فيما يبدو لى شخصياً أن صبر مصر قد نفد بالفعل، ومن المتوقع أن تعود وتسود خلال الفترة القادمة مفاهيم «الأمن المائي» و»الهيمنة المائية» و»الاحتكاكات المائية» وتعود إلى الواجهة العبارة التى تثير قلق العالم من أقصاه إلى أقصاه وهى «حروب المياه»، وربما كانت أسباب عودة قضايا المياه إلى واجهة الاهتمامات الدولية مجدداً يمكن حصرها في:
أولاً: التغيرات المناخية الحادة وارتفاع درجة حرارة الأرض وانتشار التصحر والجفاف وبوار الزراعات وانتشار الفقر والمجاعات على نطاق واسع فى أماكن شاسعة من العالم مما خلق نزاعات مسلحة وصراعات عرقية تبدو فى ظاهرها سياسية لكن فى حقيقتها بسبب شح المياه والصراع على ما هو موجود منها بعد انحسار الأنهار وجفاف العديد منها، ثانياً: الأزمات الاقتصادية التى ضربت العديد من دول العالم دفعت العديد منها إلى مراجعات إستراتيجية فيما يخص الموارد والحاجات للاعتماد على النفس ومن هنا ارتقت قضايا الامن المائى لتصل إلى الصدارة، ثالثاً: هناك من يقف وراء دول المنابع ويدفعها إلى الانقلاب على النظام والقانون الدولى المنظم للأنهار الدولية العابرة للحدود، لكى تصل إلى ما يسمى «تسليع المياه» أى جعلها سلعة مثلها مثل الغاز والبترول والمعادن المستخرجة من باطن الأرض ومن ثم يتم إنشاء بورصات وبنوك ومصارف للمياه وتقف العديد من مؤسسات التمويل وصناديق الاستثمار فى انتظار هذه اللحظة التى تتحول فيها المياه إلى سلعة تباع وتُشترى من خلال بورصات متخصصة، هذا المشهد العبثى الذى يرسمه بعض الشياطين ويسوقونه لبعض دول المنبع على حساب كل من دول المرور ودول المصب، هذا الطرح المكبوت والذى يتم تغذيته سراً بأدوات وأشكال مختلفة يمثل خرقاً تاريخياً غير مسبوق ليس للقوانين الدولية والإنسانية فحسب بل للقوانين الربانية التى رسمها مهندس هذا الكون وطبيبه وخالقه، تلك الأنهار التى تنبع من قمم الجبال حيث محصول الأمطار المتدفقة من السماء إلى حيث أرادها مجريها سبحانه، ومع هذا الإيمان الراسخ بأن الأمر كله لله يديره كيفما شاء، إلا أن الأخذ بالأسباب والاستعداد بالوعى والفهم والتحرك وبناء القدرات وإبطال خطط الشياطين والمرتزقة والطامعين والحاقدين بات واجباً وفرض عين علينا جميعاً لا فرض كفاية، فماذا عسانا أن نفعل ونحن وسط أعاصير الأزمة، فمصر دولة مصب والسودان دولة ممر وإثيوبيا دولة منبع، وقضيتنا مع إثيوبيا ليست فى السد وملأه وتخزينه فقط وليست فى السدود المستقبلية المخططة على النيل الأزرق وفقط، القضية أكبر من ذلك وأعمق، فإثيوبيا ترى بعيون جهات دولية – على رأسها الحركة الصهيونبة – أن النيل الأزرق نهر إثيوبى من حق إثيوبيا أن تمارس سيادتها الكاملة عليه، ونرى أيضاً وبنفس العيون أن دول الممر والمصب ليس من حقها التدخل حتى ولو كان القانون الدولى فى صفها!
بيد أن إثيوبيا مدعومة من جهات عديدة ترى فيها قوة إقليمية فى شرق إفريقيا يمكن الاعتماد عليها فى تجربة وتسويق فكرة «تسليع المياه» من خلال ماراثون المناكفات التفاوضية العبثية التى استمرت عقدا ونيفا من الزمان، لم تصل المفاوضات إلا لمزيد من عدم الثقة بين جميع الأطراف، وسط صبر وحكمة مصرية غير مسبوقة، مصر لا تنظر فقط إلى السد الإثيوبى الذى تم تشييده وربما دخل الخدمة ولكن انظر إلى المستقبل القريب والبعيد، فالخطط الإثيوبية المعلنة تتحدث عن ثلاثة سدود جديدة وقطعا ما جرى مع سد النهضة الذى وُضع حجر أساسه فى أثناء سنوات الفوضى فى 2011 لن يحدث مجدداً تحت أى ظرف من الظروف، وكذلك تحاول إثيوبيا الربط بين مياه النيل ومياه البحر الأحمر وفقا «لإستراتيجية ترابط المياهين» حيث تصر أديس أبابا على وجود منفذ لها على البحر الأحمر حيث إنها دولة حبيسة وهذا لن يكون إلا بالاتفاق مع الحكومات الشرعية فى الصومال أو جيبوتى أو إريتريا، وتحاول استخدام نهر النيل كرهينة لحين النفاذ إلى سواحل البحر الأحمر والمحيط الهندي، وسيكون مسار المناورة بفكرة تسليع المياه هى الخطوة الأخيرة فى خارطة الطريق الإثيوبية، بالطبع ما تتجه إليه إثيوبيا يمثل سابقة عالمية ستفتح أبواب جهنم على الامن والسلم الدوليين من خلال اختلال التوازن بين دول المنبع من ناحية ودول الممر والمصب من ناحية أخري، وسط كل هذه المنمنمات جاء التحرك المصرى فى منطقة القرن الإفريقى محسوبا ومفهوما ومقدرا.









