منذ أن وقعت جريمة مقتل أسرة التجمع، وهناك شعور بالذهول والفجيعة لدى كثيرين؛ ذلك أن القاتل جرى تقديمه في المواقع الإخبارية على أنه «صديق» رب الأسرة وصديق الأسرة كلها، وهكذا راح البعض يتحسرون على ضياع معنى وروح الصداقة، ثم غدر الصديق، وهناك من اعتبرها دليلًا على نهاية العالم وآخر الزمان.. وكالعادة في مثل هذا الموقف، نشطت ذاكرة البعض أو تفجرت أوجاعهم الإنسانية، فأخذوا يتذكرون مواقف عن غدر أو نذالة تعرض لها أحدهم من صديق أو ممن كان يتصوره كذلك.
الصديق المزعوم طلب مبلغًا ماليًا من الرجل، فلما اعتذر له، قرر قتله، ثم قتل زوجته وابنتيه، وذهب إلى الفيلا الخاصة بهم لسرقتها، وطبقًا لأقواله، كانوا يحتفظون فيها بالملايين وسبائك الذهب، بينما هو في احتياج ويعاني.
وبغض النظر عن نوع الصلة والعلاقة بين القاتل والأسرة التي راحت ضحية له، فإن الجريمة تبقى جريمة، والرجل قيد المحاكمة وأمره بيد القضاء، خاصة أنه اعترف بارتكاب الجرائم أمام النيابة العامة.. والجدل حول الصداقة ليس جديدًا على المجتمع المصري والمجتمعات كلها.
في أدبنا العربي، كتاب أبي حيان التوحيدي «الصداقة والصديق» لم يكن التوحيدي، الملقب بـ«فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة»، يثق بالصداقة ولا يعول عليها، وهو لا ينفي الصداقة، لكنه يراها نادرة، والصديق عنده “إنسان هو أنت، إلا أنه بالشخص غيرك”، والواضح أن النموذج الذي يعنيه التوحيدي هو الصداقة التي جمعت رسول الله، سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم، بالصديق أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، وهو نموذج صعب أن نجده، وربما يكون نادرًا عبر التاريخ الإنساني كله، وليس التاريخ العربي والإسلامي فقط، ويقول أيضًا في كتابه: «قبل كل شيء ينبغي أن نثق بأنه لا صديق ولا من يتشبه بالصديق»، ويستشهد بمقولة جميل بن مُرة، الذي اعتزل الناس، العامة والخاصة، وتجنب المجالس، فلما عُوتب في ذلك قال: “صحبت الناس أربعين سنة، فما رأيتهم غفروا لي ذنبًا، ولا ستروا لي عيبًا، ولا حفظوا لي غيبًا، ولا أقالوا بي عثرة، ولا رحموا لي عبرة، ولا قبلوا مني معذرة”.
ويذهب التوحيدي إلى مقولة أو نصيحة ابن كعب: «لا خير في مخالطة الناس، ولا فائدة في القرب منهم والثقة بهم والاعتماد عليهم».
وعلى هذا النحو يمضي أبو حيان التوحيدي في كتابه الممتع والموجع، وقد عانى الرجل كثيرًا في حياته من تجهم الرفاق ونذالة من ظنهم أصدقاء.


التوحيدي يذهب إلى اعتزل الناس كافة؛ فلا خير في الاقتراب منهم والتعامل معهم، ويقترب منه في ذلك فيلسوف التشاؤم شوبنهاور، الألماني، الذي يعد الصداقة أمرًا مستحيلًا أو شبه مستحيل، وأنها حين تنشأ فتكون لمصلحة أو منفعة ما، وربما يهرب بها الإنسان من ملل الوحدة، وهناك عدة دراسات فلسفية ونقدية تذهب إلى أن شوبنهاور كان متأثرًا في ذلك بالفيلسوف العربي الإسلامي التوحيدي، المتوفى سنة 400 هجرية، وعلى النقيض منه نجد ابن عبد ربه الأندلسي، صاحب «العقد الفريد»، يطالب في عقده بالتحبب إلى الناس والعمل على التقرب منهم، والصداقة عنده مفضلة على القرابة، ويستشهد بقول عبد الله بن عباس رضي الله عنه وأرضاه: «القرابة تقطع، والمعروف يكفر، وما رأيت كتقارب القلوب».
ابن عباس هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحابي جليل، يلقب بـ«حَبْرِ الأُمَّة» عاش طويلًا وخَبُرَ أحداثًا عديدة، ويكفي أنه عاصر وعايش أحداث الفتنة الكبرى كلها، ورأى فعلًا قرابات قطِعت، وصُمِتَ لأسباب ومطامع دنيوية، ورأى معروفًا لم يُحفظ، لكنه كذلك رأى صداقات حقيقية قامت على الإخلاص.
الجدل حول جدوى الصداقة والصديق طويل وممتد، ولن تجد له قاعدة حاكمة، وفي رواية د. طه حسين، عميد الأدب العربي، «أديب»، نموذج حي على نذالة وحقد الصديق على صديقه، رغم أنهما كانا يقضيان معظم الوقت معًا، البطل فتح بيته للصديق، وكان يتناول الطعام والشراب بانتظام في بيته، ومع ذلك وشى به في شكوى رسمية إلى الجامعة ليحرمه من البعثة العلمية إلى فرنسا. وأكد د. طه أن الواقعة حقيقية، لا خيال فيها، لكن د. طه نفسه، في روايته «شجرة البؤس»، يقدم لنا نموذجًا رفيعًا للصداقة ونبل الصديق مع صديقه، في شخصيتي التاجرين، أحدهما من القاهرة والآخر من الصعيد.
نجيب محفوظ تعرض في بداية حياته لحالة غدر من صديق، وكان محفوظ بصدد الاستعداد لكتابة «الثلاثية»، وصارح صديقه بالمشروع، وأنه سوف يقدم رواية عن أجيال، ومضت شهور، وإذ بالصديق يصدر رواية بنفس الفكرة، ولم يلعن محفوظ الصداقة، ولم يقطع علاقته بالصديق، فقط تعلم ألا يطلع أحدًا على فكرة أي عمل يقوم به، ومثله كان يفعل بهاء طاهر، وصارحني مرة: «القصص تتحسد».
بالعودة إلى قاتل الأسرة، الذي تصر المواقع الإخبارية على أنه كان صديقًا للأسرة، هل كان صديقًا بالفعل؟ وما مظاهر أو شواهد تلك الصداقة التي ظهرت لهم قبل شهور فقط؟
المشكلة أن بعضنا يتصور أن أي تعامل أو علاقة بين فردين هي صداقة.
في مشهد مهم بمسلسل «أم كلثوم»، التقى ناقد فني في مطعم باثنين من أصحاب الصوت العالي، تعرف بهما، وبعد ثوانٍ دخل المطعم أحد معارفه، فقدم له الرجلين بالقول: «أعز صديقين» مجاملة لفظية ومشاعر مجانية، نتصور مع الوقت أنها حقيقة، وأي علاقة عمل بين شخصين نعتبرها صداقة، فالقاتل اصطحب زوجته وزار أسرة التجمع، فاعتُبرت الزيارة عنوان الصداقة، ويبدو لي أنها كانت زيارة عمل أو توثيقًا وتعميقًا لعلاقة العمل والتعامل بينهما، والدليل أنه طلب منه مبلغ 300 ألف جنيه، وعلاقات العمل قد يكون فيها الصدق والصداقة، لكن كثيرًا منها محكوم بالتنافس، وربما الغيرة والحسد والحقد الذي ينتج الغل والكراهية المكتومة، ومن ثم الكيد بوسائل عديدة أو العنف والقتل.
في ظاهر الأمور يبدو الود وعشاءات العمل، وقد تكون عشاءات مسممة بالصفقات ووو… علاقات العمل قد تؤدي إلى أن يعمل أحد الطرفين، أو كلاهما، على إزاحة الآخر بمختلف الوسائل، مهما كانت قاسية، وتوجيه طعنات ولكمات من تحت الحزام.
منذ سنوات، أُلقي القبض على رجل أعمال وحوكم، وكانت لديه مخالفات عديدة، بعضها يدخل في باب الجريمة، وقصة القبض عليه تعود إلى سيدة كانت هناك علاقة عمل تجمعه بها، توثقت العلاقة بينهما بالزواج السري، ورأت كل شيء، فذهبت إلى الجهات الرسمية وأبلغت، قيل: إنه أراد أن يستولي على كل أموالها باسم الزوجية، وقيل إنه كان يخونها في علاقة أخرى، وقيل إن ضميرها لم يسمح لها بالسكوت على الجرائم المالية والأخلاقية.
علاقات العمل لا تُبنى على الصداقة، ولا تؤدي بالضرورة إلى الصداقة، وقد تقود إلى العكس، ونقع في خلط آخر حين نخلط بين الزمالة والصداقة. قد تطول الزمالة فيتصور أطرافها أنها صداقة، فإذا ظهر غير ذلك، نتباكى على الصداقة.
الزمالة قد تكون فيها منافسة، وقد تكون هناك أنانية؛ من يسعى إلى اقتناص الفرصة أو استباق الآخرين، لن أقول القفز عليهم. كل هذا يحدث ونحن نصر على أن كل زمالة هي صداقة بالضرورة.
لو قُدِّر لك أن تمر على بعض مكاتب الموظفين، لاستمعت إلى شكاوى مريرة عن غدر الأصدقاء ووو… وهناك نوع من المعرفة أو الزمالة يتحول إلى صداقة، لكنها تكون مرتبطة غالبًا بتصور أحد طرفيها أنها سوف تحقق نفعًا ما له في موقف ما، وإن لم يتحقق ذلك انقلبت إلى خصومة وعداء شديدين.
آخر مشاهد هذا النوع من الصداقة لمسناه في الهجوم الضاري على مدير مكتبة الإسكندرية قبل أسبوعين، بسبب جوائز الدولة في الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية، وليس غريبًا أن يثور جدل حول من فاز ومن لم يفز؛ يحدث ذلك سنوياً منذ سنة 1958، حين بدأت الدولة في منح الجوائز. وهذا عادي ومتوقع، بل يمكن أن نعده في جانب منه تعبيرًا إيجابيًا يثبت حيوية وفاعلية الحياة الثقافية، ولكن هذا العام وُجهت الحملة نحو د. أحمد زايد، واتفق المتابعون على أن الطلقة الأولى بدأت من صديق سابق للرجل، وحدث أن تقدم ذلك الصديق إلى إحدى الجوائز، لكنه أخفق بشدة في التصويت، وعلى الفور أنهى صداقته مع د. زايد، متهمًا إياه بأنه خذله ولم يدعمه وتربص به، وكانت تلك هي المشاهد التي تابعناها، والصداقة هنا كانت قائمة على تصور منفعة بعينها، ولما لم تتحقق، انقلبت إلى عداء، والحمد لله أن د. زايد لم يتعرض إلى ما تعرض له صاحب فيلا التجمع.
الواقع أن الصداقة في نظر البعض يجب أن تكون أبدية أو دائمة، لا تعرف التحول، وهذا يحدث في بعض الحالات، تأمل، مثلًا، الصداقة التي جمعت عباس محمود العقاد بإبراهيم عبد القادر المازني. صمدت هذه الصداقة للعواصف التي تعرض لها كل منهما، وكان العقاد وفيًا ونبيلًا مع أصدقائه بقدر حدته مع خصومه، ونعرف الصداقة العميقة التي ربطت د. طه حسين بالشيخين علي ومصطفى عبد الرازق. بدأت حين كان الشيخ طه والشيخ علي يدرسان معًا في الجامع الأزهر، وما انقطعت يومًا، وزادتها السنوات قوة ومتانة.
يمكن كذلك أن نشير إلى صداقة طه حسين مع أحمد أمين، صاحب موسوعات «فجر الإسلام» و«ضحى الإسلام» و«ظهر الإسلام»، ولكن هناك صداقات انقلبت إلى عداء شرس، بعضها انتهى إلى ما يشبه المأساة، وفي المجال الأدبي، صداقة د. زكي مبارك ود. طه حسين، وحدث أن الجامعة المصرية لم تعين د. زكي مبارك أستاذًا في كلية الآداب، فاتَّهم زكي مبارك أستاذه وصديقه د. طه بأنه السبب، ولم يكن ذلك دقيقًا، والمهم أن زكي مبارك شن هجومًا ضاريًا على طه حسين، ثم اشتد في الهجوم، ولزم د. طه الصمت، ثم أعلن أن زكي لم يعد صديقًا له.
وفي المجال السياسي يبدو الأمر أشد وضوحًا، وكم من صداقات فُقِدت وضاعت! والحالة الأشد وضوحًا صداقة مصطفى النحاس باشا مع مكرم عبيد باشا، وكان التفاهم بينهما شديدًا، حتى إن تقارير السفارة البريطانية في القاهرة كانت تقف عاجزة أمام تلك الصداقة، وكذلك القصر الملكي، ثم وقع التباعد والتنافر، وبعدها العداء التام، حتى إن مكرم عبيد أصدر «الكتاب الأسود» في هجوم على النحاس وزوجته زينب هانم الوكيل، وحالة النحاس ومكرم عبيد تكررت بعد ذلك كثيرًا، ليس في مصر فقط، بل في عدد من دول العالم.
في النهاية، الصداقة الحقيقية معنى نبيل ونادر. المهم ألا نتساهل نحن ونسمي أي تعارف أو تعامل صداقة.
رحم الله أسرة التجمع التي راحت ضحية صداقة زائفة وحقد عميق.








