«أرجو منكم الدعاء لابنى الغالى عمر خالد بكر، فهو يدخل غرفة العمليات الآن.»
كانت كلمات قليلة، لكنها حملت وجع أب يقف فى أصعب لحظات حياته، لا يملك سوى الدعاء، ولا يبحث إلا عن رحمة الله. أب يقف خلف باب غرفة العمليات، يحمل خوفه على ابنه، ويتعلق بالأمل فى أن يخرج إليه سالمًا معافي.
كتب والد عمر رسالته وقلبه معلق بالسماء:
«اللهم إنى استودعتك ابني، فاحفظه بعينك التى لا تنام، واكتب له السلامة والشفاء. اللهم اشفه شفاءً تامًا لا يغادر سقمًا، وكن معه فى كل لحظة، ويسّر أمره، وطمئن قلوبنا عليه، وبارك فى أيدى الأطباء، ووفّقهم لما فيه الخير له.»
لم تكن هذه مجرد دعوة من أب لابنه، لكنها تحولت إلى نداء وصل إلى كل من عرف عمر، وكل من سمع قصته، فتحولت القلوب إلى لسان واحد يردد: اللهم اشفه.
خاض عمر خالد بكر رحلة طويلة مع المرض، بدأت بعد عملية زرع كلي، ثم تعرض بعدها لمضاعفات صحية قاسية، ودخل فى غيبوبة، قبل أن يخضع لعملية جديدة وسط دعوات لا تتوقف من أسرته وأصدقائه وكل محبيه.
كانت أيامًا ثقيلة على الأسرة والأصدقاء، لحظات انتظار لا يعرف فيها الإنسان ماذا يقول إلا: يا رب. لكن وسط الألم كان هناك شيء يخفف قسوة المشهد؛ كان هناك حب كبير يحيط بعمر، ودعوات صادقة تخرج من قلوب كثيرة.
انتقلت قصة عمر من بيت أسرته إلى شوارع حلوان، وأصبح اسمه حاضرًا فى دعاء الناس. الجميع كان ينتظر خبرًا يطمئن القلوب، والجميع كان يتمنى أن يعود عمر إلى أهله وأصدقائه كما عرفوه.
لكن القدر كان له كلمته.
تحولت الدعوات من طلب الشفاء إلى دعاء بالرحمة، وتحولت صفحات التواصل الاجتماعى إلى دفتر كبير من كلمات الوفاء والحزن، يكتب فيه كل من عرف عمر شهادة محبة فى إنسان ترك أثرًا طيبًا فى حياة من حوله.
وفى مسجد المراغى بحلوان كان مشهد الجنازة الذى لن ينساه كل من حضره.
خرجت الجموع لتودع عمر، وامتلأ المكان بالأهل والأصدقاء والجيران. وجوه حزينة، وعيون دامعة، وقلوب تحمل ذكريات كثيرة مع شاب عرفه الجميع بالطيبة وحسن الخلق وقربه من الناس.
لم تكن صلاة الجنازة مجرد لحظة وداع، بل كانت رسالة أخيرة من كل من جاء: عمر لم يكن وحده فى حياته، ولم يكن وحده فى رحيله.
وعند المقابر، كان المشهد أكثر ألمًا.
وقف أهل وأصدقاء عمر وجيرانه أمام مثواه الأخير، بعضهم يبكي، وبعضهم يستعيد مواقف جمعته به، وكأن كل شخص كان يحمل قصة خاصة معه. لم يكن الحضور مجرد أداء واجب، بل كان تعبيرًا صادقًا عن محبة حقيقية تركها عمر فى قلوب الجميع.
ثم جاء مشهد العزاء فى مسجد حسين صدقي، ليكشف حجم المكانة التى كان يحتلها عمر بين الناس.
امتلأ المسجد بالمعزين، وتوافدت الجموع بصورة متواصلة، حتى أصبح المكان لا يتسع لكل من جاء ليشارك الأسرة أحزانها. كان المقرئ يبدأ التلاوة، وما تمر دقائق قليلة حتى يختم، لتدخل مجموعات جديدة من المعزين الذين جاءوا ليقدموا واجب العزاء ويدعوا لعمر بالرحمة.
كان مشهدًا لا تصنعه الشهرة ولا المناصب، وإنما تصنعه المحبة التى يزرعها الإنسان فى قلوب من حوله.








