قال الرئيس عبدالفتاح السيسى: «الفساد كان أحد أكبر التحديات التى واجهت الدولة المصرية، ولن نسمح له بأن يهزم الدولة.» وقال أيضًا فى أكثر من مناسبة إن مكافحة الفساد ليست مسئولية جهة بعينها، وإنما مسئولية دولة ومجتمع، لأن الفساد يلتهم مقدرات الأوطان ويقوض فرص التنمية. ومن أبلغ ما قيل عبر التاريخ عن الفساد، ما يُنسب إلى الفيلسوف اليونانى أرسطو: «إذا فسد القضاء، ضاعت العدالة، وإذا فُقدت العدالة، سقطت الدولة.» كما يُنسب إلى مونتسكيو قوله: «الفساد يبدأ عندما تُمنح المناصب لغير المستحقين.» ولعل هذه الكلمات تختصر حقيقة راسخة، وهى أن الدول لا تنهار فقط بسبب الأعداء فى الخارج، وإنما قد تنهار بسبب الفساد الذى ينخر مؤسساتها من الداخل. فالفساد ليس مجرد رشوة أو اختلاس للمال العام، بل هو منظومة متكاملة تهدم معايير العدالة والكفاءة، وتُحبط أصحاب الكفاءات، وتفتح الطريق أمام غير المؤهلين لتولى مواقع لا يستحقونها، فتتراجع المؤسسات مهما بلغت قوة إمكاناتها. فإن المؤسسة تدخل عمليًا فى دائرة الفشل، مهما كانت إمكاناتها. ومن أخطر مظاهر هذا النوع من الفساد: تصعيد غير المؤهلين إلى مواقع القيادة. استمرار المسئول الفاشل رغم ثبوت إخفاقه. إقصاء أصحاب الفكر والرؤية والكفاءة. تهميش أصحاب الضمير الذين يرفضون المجاملة أو مخالفة القانون. الاعتماد على الصحوبية والعلاقات الشخصية بدلاً من الكفاءة. شراء النفوذ أو السعى إلى المناصب بوسائل غير مشروعة. تحويل المؤسسات إلى دوائر مغلقة لا تسمح إلا بتبادل المصالح. والنتيجة الطبيعية لذلك هى قتل روح الإبداع، وهجرة الكفاءات، وتحول المؤسسات إلى كيانات عاجزة عن التطوير، لأن القرار يصبح فى يد من لا يملك الرؤية، بينما يقف أصحاب الخبرة خارج دائرة التأثير. إن المسئول غير الكفء لا يضر نفسه فقط، بل قد يعطل مؤسسة بأكملها، ويؤخر مصالح آلاف المواطنين، ولذلك فإن أخطر أنواع الفساد ليس ما يُسرق من أموال فقط، وإنما ما يُسرق من فرص، وما يُهدر من عقول، لكن تبقى الحقيقة التى يجب أن نواجهها بشجاعة، وهى أن تطوير الحجر وحده لا يكفى إذا لم يصاحبه تطوير البشر. فالدولة تتقدم اليوم ككيان مادى بما تحقق من منشآت ومدن ومشروعات عملاقة، لكن هذا التقدم لن يكتمل إلا إذا واكبه تقدم فى الإدارة، وفى معايير الاختيار، وفى تمكين أصحاب الكفاءة والنزاهة. إن الجمهورية الجديدة التى نحلم بها لا تقوم فقط على الطرق والكبارى والعاصمة الجديدة والمدن الذكية، وإنما تقوم قبل ذلك على الإنسان الكفء، والمسئول الأمين، والقيادة التى تمتلك رؤية وقدرة على الإنجاز. ولذلك فإن المرحلة المقبلة تستوجب مراجعة شاملة لآليات اختيار القيادات فى مختلف المؤسسات، بحيث يكون المعيار الوحيد هو الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز، بعيدًا عن المجاملات، أو الصحوبية، أو العلاقات الشخصية، أو أى ممارسات تُهدر مبدأ تكافؤ الفرص. إن تصعيد أصحاب الفكر، وأصحاب المبادئ، وأصحاب الضمير، ليس رفاهية، بل هو ضرورة وطنية، كما أن استبعاد كل من يثبت فساده أو فشله أو عجزه عن تحمل المسئولية هو حماية للدولة قبل أن يكون عقابًا للفرد. فالجمهورية الجديدة تستحق مؤسسات جديدة بعقول جديدة، وتستحق مسئولين يليقون بحجم الإنجازات التى تحققت، لأن بناء الإنسان والإدارة الرشيدة هما الضمان الحقيقى لاستمرار بناء الوطن. ولن تنتصر الدولة على الفساد انتصارًا كاملًا إلا عندما تصبح الكفاءة هى الطريق الوحيد إلى المنصب، والنزاهة هى الضمان الوحيد للاستمرار، والمصلحة العامة هى البوصلة التى لا تنحرف عنها مؤسسات الدولة.









