كما أن لكل بداية نهاية.. كان لابد لهذه المقالات من لحظة تتوقف فيها.. وربما تختفي.. لتترك المكان لنبض جديد.. وتوفر الفرصة لمن يريد التقييم والتقدم بالشهادة.. وربما عثر عليها صاحبها.. أو تأخرت إلى أن ضاعت الفرصة.. وأصبح الحوار بين المتلقى والكاتب مستحيلا.. حتى إذا افترضنا وجود من يعنى بالتقييم والتقويم..
فقد يتطلب الأمر وقتا خارج إرادة الطرفين.. ويفسحان المجال للنوايا الطيبة.
وإذا ما نجح القادم فى اكتشاف ما يظن أنه مفيد.. فهذه باقة من الزهور والورود.
هى لدى الكاتب أثمن من جميع الجوائز وشهادات التقدير.. وملاحظات الاختلاف والتأنيب التى حصل عليها منذ أن أسعدته الظروف وانتقل من مرحلة السعى الشاق للتحقيق الصحفي.. أو الجرى وراء الأخبار بعد رحلة المندوبية.. بدأت بالتعبئة والإحصاء أيام مؤسسها المرحوم جمال عسكر.. ولم تنته بوزارات خليط من اهتمامات الناس.. يتذكرها-وقد وهن العقل-التعليم العالى والإسكان والبحث العلمى وديوان الموظفين والشباب.
وكان من حسن الحظ أن تشرف بالكتابة المنتظمة.. ومنذ عام 1986 وحتى كتابة هذه السطور.. كل إثنين.. أسفل مقال أستاذنا الكبير الراحل حافظ محمود.. وتعلم منه كيف تعامل هذا الجيل بحرص واحترام مع الحرف.. وتقدير إلى درجة القداسة لما يكتبون.. سواء ذكريات أو آراء أو معارك قلم خاضوها بنبل وشرف.. وتوهجت حروفها من النقاء والصفاء.
وكم شعر بجسامة المسئولية.. بعد رحيل الأستاذ حافظ.. وموافقة رئيس التحرير على رفع مقاله إلى أعلى الصفحة.. ارتفعت هامته.. وتضخمت مسئوليته.. وعاهد الله -سبحانه وتعالي- ألا يكتب إلا ما يعتقد أنه مفيد ونافع للناس.. وحرص كل الحرص على التدقيق فى المعلومات.. وتعلم ألا يأخذ أحدا بجريرة الخدعة أو الاشتباه أو الغرض.. حتى عندما جاءت المناسبة وأتيحت وله الفرصة ليكتب عن تجاربه الشخصية.. لم يكن فقط الصدق رافده.. بل وحرص ما أمكن على الخروج من إطار الحدث.. ليسجل بكل العناية والاهتمام ما يعتقد أنه مفيد للآخرين.. واستشرف من خلال معاناته الشخصية.. والآلام التى هاجمته.. والكوارث التى حلت به.. استشرف قلب حقيقة.. وعهد وعقد.. بالافصاح كاملا لتنتقل التجربة بكل جوانبها إلى القاريء العزيز.. او إسدال الستار على الحدث كاملا طالما سيضطر إلى البتر والإخفاء.. ولعل هذا الخط.. مع حضور الذهن دائما.. بالنسبة لشئون الوطن.. وإجراء الحوار الآخر المهمل من الكثيرين.. ساعده ليس فقط أن يفخر أمام أولاده.. باجتهادات وتنبؤات معظمها فى الإطار الصحيح.. ولكنه فاز ببعض الجوائز المتخصصة من جهات محترمة.. لأنها جاءت واضحة.. إنسانية.. سليمة البنيان.
وخلال هذه الرحلة التى آن لها أن تتوقف.. بشجاعة نادرة قد يدركها الكثيرون بعد فوات الأوان.. كانت اخطاؤه تصاحبه فى الليل قبل النوم.. ينفضها عن قلمه فى الحال.. ورغم أن هذه الأخطاء قد توارت داخل صندوق الذاكرة العجيب.. إلا أنه لا يخجل من إنه عمل فى إحدى المجلات الفنية الصغيرة.. وسمح للمصور المحترف أن يقوده فى لقاء مدفوع لصاحب المجلة مع إحدى الراقصات التى صممت على النبض الارستقراطى فى الصياغة. ولأنه من عائلة بسيطة.. لم يعرف ترف الحلى والمجوهرات.. فقد كتب فى الموضوع أنها تشترى هدايا ماسية وذهبية لست الحبايب من.. أشهر محلات الذهب، ليتضح بعد النشر أن هذا الاسم يخص صاحب محلات أصواف شهير.. وعندما اكتشفت الراقصة ذلك بعد الطبع.. كانت علقة ساخنة له فى مقر المجلة.. أكمل تداعياتها صاحبها بأن طرده للشارع.. حتى وفقه الله وعاد إلى جريدته التى فتحت له أبواب التعلم والتدريب.. ليس فى الأقسام الصحفية.. ولكن المساعدة من تصوير وأرشيف ومعلومات.. بل وزنكات وصف لينوتيب إلخ.
كل هذه الخبرات.. مع حب جارف للمهنة.. وإحساس بمسئوليتها.. جعله ينجح فى رحلة الغربة.. ويصقل هذه المهارات إلى أقصى درجة ممكنة.. وعندما عاد إلى أرض الوطن بعد 12 عاما من الغربة.. بهدف تربية الأولاد ومساعدتهم على استشراف المستقبل.. .عُرف عنه الاستعداد التام لتحمل المسئولية.. والابتكار ما أمكن.. والحمد لله ظل مفيدا للعمل وليس عالة على أحد.. أو ينتظر مجاملة أحد.. حتى بعد الحصاد الذى استكمل مشواره وحيدا بعد رحيل «سحابته الممطرة».. ولأكثر من عشرين عاما.. عاش معززا مكرما.. سعيدا بآراء الزملاء والرؤساء بل والتلاميذ من الأجيال الجديدة.. الذين تذكروا له.. حرصه الشديد على أن ينقل لهم خبراته فى مهنة البحث عن المتاعب وقدرته على التعامل الحكيم والموضوعى مع الخبر أو المادة الصحفية.. ويناضل لتأخذ مكانتها المستحقة فى النشر حتى لو كان صاحبها لا يروق له..
وبالطبع فإن المكان وهذا المقال لا يتحملان.. وان الأمر ليس مناسبة للاعتراف بالأخطاء والتباهى بالحسنات.. ولكن ما أريد التركيز عليه.. هو أننى أجد نفسى فى هذه المادة الصحفية التى تدفقت على صفحات حلمى وملاذى الجمهورية.. منذ أن سُمح بنشر توقيعى فى أوائل يناير 1960 وحتى هذه اللحظات التى يُنشر فيها مقال الوداع.. المؤكد فقط أن الرحيل هو سنة الكون.. سواء من العمل أو الحياة.. ولكنى أوصيكم خيرا بأبنائى من الأجيال الجديدة.. وبحياتى المتمثلة فيما احتوت عليه الصفحات التى نشرت فيها نبضات قلبي.. ورحيق قلمي.. وأسألكم أن تسامحونى عن الأخطاء والهفوات.. والعصبية التى بدرت منى ورغم حرصى الشديد خلال 66 عاما من المهنة المقدسة.. .على تنفيذ ما أخذته على نفسى من عهد.. ألا تنام قبل أن أصالح من اسأت إليهم أو تشاجرت معهم.. أو حتى اختلفت معهم.. .. استكمال هذا السماح ضرورى كى تذكرونى بالخير.. وأن ارتاح.









